عمّار بن ياسر - الفقيه، الشيخ محمد جواد - الصفحة ١٥ - من اليمن إلى مكة
الأحمر ما بين مصر والبلاد البعيدة في الشرق ليجلب التجارة التي تحتاجها بيزنطية ويستغني بذلك عن طريق القوافل ، وبذلك فقدت اليمن مصدرها الحيوي الثاني فكانت الهجرة.
ويذكر في هذا الصدد ، أن قبيلة أزد هاجرت إلى الشمال ، ويختلف المؤرخون في سبب تلك الهجرة. فبعضهم يعزوها إلى إضمحلال التجارة في بلاد اليمن ، والبعض الآخر يعزوها إلى إنقطاع سد مأرب واضطرار كثير من القبائل إلى الهجرة مخافة الهلاك.
وبالطبع فإن هجرة القبائل عادة تكون إلى أقرب منطقة يكثر فيها العشب والكلأ والماء ، يجدون فيها مرعىً خصباً لإبلهم ومواشيهم.
أما الإفراد ، فإنهم غالباً ما كانوا يقصدون الحواضر والمدن العامرة بألوان التجارة ، فكان أقرب تلك المدن إلى اليمن وأوفرها عيشاً البلد الأمين مكة ، موطن الرخاء ـ للسادة ـ والدعة والسلام.
لقد كانت مكة قبل البعثة النبوية مهوى قلوب الناس ، وذلك نظراً لموقعها الديني العريق الذي يرتبط ببيت الله وموطن إبراهيم (ع). هذا بالإضافة إلى موقعها الجغرافي ، إذ أنها تمثل نقطة الإرتكاز بالنسبة للقوافل القادمة من بلاد فارس والعراق والشام إلى بلاد الحجاز واليمن والحبشة ، ففيها يجد التجار منتجعاً للراحة من وعثاء السفر الطويل المضني ، وسوقاً تزدحم بأنواع البضائع والمشتريات ، كما يجد الحجاج فيها مستقراً روحياً يميط عنهم درن الذنوب.
وامتاز أهل مكة في الجاهلية بخصال نبيلة تلتقي مع حنيفية إبراهيم (ع) ، فقد كانوا حلفاء متآلفين ومتمسكين بكثير من شريعة إبراهيم (ع) ، فكانوا يختنون أولادهم ، ويحجون البيت ، ويقيمون المناسك ، ويكفنون موتاهم ، ويغتسلون من الجنابة ، كما تباعدوا في المناكح من البنت ، وبنت البنت ، والأخت ، وبنت الأخت غيرةً وبعداً عن