عمّار بن ياسر - الفقيه، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٩٠ - بين عمار وعثمان
فقبل وصيته ، وكان عثمان غائباً ، فلما عاد « رأى القبر فقال : قبرُ من هذا؟ فقيل : قبرُ عبد الله بن مسعود. قال : فكيف دُفن قبل أن أعلم؟ فقالوا : وَليَ أمرَه عمار بن ياسر .. ولم يلبث إلا يسيراً حتى مات المقداد فصلى عليه عمار ، وكان أوصى إليه ولم يؤذن عثمان به ، فاشتد غضب عثمان على عمار وقال : ويلي على ابن السوادء ، أما لقد كنتُ به عليماً » [١].
ومن هنا يتضح بأن ما حصل بين عثمان وعمار من عداءٍ لم يكن عداءً شخصياً نمى وتطور حتى تحول إلى حرب مواقف ـ إذا صح التعبير ـ بين صحابيين كان بالإِمكان تلافيه ، أو على الأقل السكوتُ عنه حفظاً لمقام الخلافة وهيبتها. بل إن الأمر كان على العكس من ذلك. فالمتتبع للإحداث يلمس بوضوح أن الصراع بينهما كان صراعاً بين مبدئين. مبدأ يعتمد اللامحدودية في سلطته والنزوع وراء المُلك ، ومبدأ يعتمد السنَّة النبوية الشريفة وسيرة الخلفاء الراشدين. فعثمان لم يكن وحده في آرائه ، وكذلك عمار لم يكن وحده في معارضته.
وعلى هذا يمكن القول أن خلافة عثمان أوجدت الفرصةَ لسيطرةِ الأمويين على مقدرات الأمة وأرزاقها عن طريق نفوذهم لسُدّة الحكم ، ولولا يقظة بعض الصحابة وحذرهم لتم لهم ذلك بشكل سريع ، لكن معارضتهم هي التي كانت تحول دون ذلك.
وقد حدد العقاد في كتابه عثمان ، نظرة عثمان للخلافة بقوله :
« فكانت له نظرةٌ للإمامة قاربت أن تكون نظرةً إلى المُلك ، وكان يقول لابن مسعود كلما ألح عليه في المحاسبة : ما لَكَ ولبيت مالنا؟! وقال في خطبته الكبرى يرد على من آخذوه بهباته الجزيلة : فضلٌ من مالٍ ، فلم لا أصنعُ في الفضل ما أريد؟ فلِم كنتُ إماماً!! » [٢].
وكان جديراً به أن يتقبل نصائح المخلصين من الصحابة ويناقش
__________________
١ ـ اليعقوبي ٢ / ١٤٧.
٢ ـ عثمان : ٢١١ ـ ٢١٢.