رسائل أصولية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٣ - ب الدليل العقلي
و يبيح نبيذاً آخر فيه خاصيّة الخمر، و هي الإسكار، لأنّ مآل هذا، المحافظةُ على العقول من مسكر، و تركها عرضة للذهاب بمسكر آخر. [١]
يلاحظ عليه: أنّ الكبرى مسلّمة، و هي أنّ أحكام الشرع تابعة للمصالح و المفاسد، إنّما الكلام في امكان وقوف الإنسان على مناطات الأحكام و عللها على وجه لا يخالف الواقع قيد شعرة، و أمّا قياس النبيذ على الخمر فهو خارج عن محلّ الكلام، لأنّا نعلم علماً قطعيّاً بأنّ مناط حرمة الخمر هو الإسكار، و لذلك روي عن أئمّة أهل البيت : أنّه سبحانه حرّم الخمر و حرّم النبيُّ كلَّ مسكر. [٢] و لو كانت جميع الموارد من هذا القبيل لما اختلف في حجية القياس اثنان.
و لأجل إيضاح الحال، و أنّ المكلّف ربّما لا يصل إلى مناطات الأحكام، نقول:
إذا نصّ الشارع على حكم و لم ينصّ على علّته و مناطه، فهل للمجتهد التوصّل إلى معرفة ذلك الحكم عن طريق السبر و التقسيم بأن يُحصر الأوصاف التي توجد في واقعة الحكم، و تصلح لأن تكون العلّة، واحدة منها، و يختبرها وصفاً وصفاً، و بواسطة هذا الاختبار تُستبعد الأوصاف التي لا يصحّ أن تكون علّة، و يستبقي ما يصحّ أن يكون علة، و بهذا الاستبعاد و هذا الاستبقاء يتوصل إلى الحكم بأنّ هذا الوصف هو العلّة؟
و لكن في هذا النوع من تحليل المناط إشكالات واضحة مع غض النظر عن النهي الوارد في العمل بالقياس:
أوّلًا: نحتمل أن تكون العلّة عند اللّه غير ما ظنّه بالقياس، فمن أين نعلم
[١]. عبد الوهاب خلاف: مصادر التشريع الإسلامي: ٣٤- ٣٥.
[٢]. الشوكاني: نيل الأوطار: ٣/ ١٥٢.