رسائل أصولية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣ - نظرية الأشاعرة
و «قبح الكذب»، فمن أين نعلم أنّ الشارع صادق في إخباره؟ لأنّه لم يثبت بعدُ حسن الصدق و لا قبح الكذب، فإذا أخبرنا عن شيء أنّه حسن، لم نجزم بحسنه حتّى عند الشرع، لتجويز الكذب عليه.
و الحاصل: أنّه لو لم نعرف حسن الأفعال و قبحها شرعاً إلّا عن طريق إخبار الأنبياء، فإذا قالوا: الصدق حسن و الكذب قبيح، لا يحصل لنا العلم بصدق القضية، إذ نحتمل أن يكون المخبر كاذباً.
و لو قيل: إنّه سبحانه شهد على صدق مقالة أنبيائه، فنقول: إنّ شهادته سبحانه لم تصل إلينا إلّا عن طريقهم، فمن أين نعلم صدقهم في كلامهم هذا؟
أضف إلى ذلك من أين نعلم أنّه سبحانه- و العياذ باللّه- لا يكذب؟
فهذه الاحتمالات لا تندفع إلّا باستقلال العقل- قبل كلّ شيء- بحسن الصدق و قبح الكذب، و أنّه سبحانه منزّه عن القبح .... [١]
و ربّما يعترض عليه بأنّ ما ذكر من التالي (عدم ثبوت الحسن و القبح مطلقاً حتّى بالشرع لو كان الطريق منحصراً بالسماع من الشرع) إنّما يصحّ إذا انحصر الطريق بإخباره المحتمل فيه الصدق و الكذب، و أمّا لو كان الطريق هو أمره و نهيه فلا يتطرّق إليه احتمال الكذب، لأنّه و الصدق من أوصاف الإخبار لا الإنشاء.
و هذا هو ما ذكره القوشجي معترضاً به على المحقّق الطوسي و قال: إنّ الحسن و القبح عبارة عن كون الحسن متعلّق الأمر و المدح، و القبيح متعلق النهي و الذمّ. [٢]
و يلاحظ عليه: أنّ احتمال الكذب في الإنشاء و إن كان منتفياً، لكنّ هنا
[١]. لاحظ كشف المراد: ٥٩، المطبوع مع تعاليقنا.
[٢]. شرح التجريد للقوشجي: ٤٤٢، طبعة تبريز.