رسائل أصولية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩١ - نزول الرب كلّ ليلة إلى السماء الدنيا
و سائر العوارض و الحوادث، و قد صار هذا الحديث سبباً لذهاب الحشوية إلى التجسيم و السلفية إلى التشبيه، و إن كنت في شكّ فاستمع لكلام من أحيا تلك الطريقة بعد اندثارها و انطماسها، يقول الرّحالة ابن بطوطة في رحلته:
و كان بدمشق من كبار فقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية كبير الشام يتكلّم في فنون، إلا أنّ في عقله شيئاً، و كان أهل دمشق يعظّمونه أشدّ التعظيم، و يعظهم على المنبر، و تكلّم مرّة بأمر أنكره الفقهاء. و رفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة، و جمع القضاة و الفقهاء بمجلس الملك الناصر، و تكلم شرف الدين الزواوي المالكي، و قال: «إنّ هذا الرجل قال كذا و كذا» و عدّد ما أُنكر على ابن تيمية، و أحضر الشهود بذلك و وضعها بين يدي قاضي القضاة.
قال قاضي القضاة لابن تيمية: ما تقول؟ قال: لا إله إلا اللَّه، فأعاد عليه فأجاب عليه بمثل قوله: فأمر الملك الناصر بسجنه، فسجن أعواماً، و صنّف في السجن كتاباً في تفسير القرآن سمّاه ب- «البحر المحيط».
ثمّ إنّ أُمّه تعرضت للملك الناصر، و شكت إليه فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية، و كنتُ إذ ذاك بدمشق، فحضرتُه يوم الجمعة، و هو يعظ الناس على منبر الجامع و يذكرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إنّ اللّه ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا، و نزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، و أنكر ما تكلّم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه و ضربوه بالأيدي و النعال ضرباً كثيراً. [١]
[١]. ابن بطوطة: الرحلة: ١١٢، طبع دار الكتب العلمية.