رسائل أصولية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٤ - إنّ التمسك بالبراءة العقلية يتحدّد بأُمور
حجّتهم، بإرسال الرسل و أتم الحجّة عليهم به، مكان احتجاج العباد على اللّه إن لم يبعث الرسل. و الآية خير دليل على أنّه لا يحتج عليهم إلّا بالبيان الواصل، و إلّا لاحتجّ العباد على اللّه سبحانه بأنّه أهمل بيان مقاصده و أغراضه بترك إرسال الرسل.
و ليست الآية، هي الآية الفريدة في المقام بل تعزّزها آيات أُخرى يشهد الكلّ على أنّ الاحتجاج لا يتمّ إلّا ببيان واصل، لا بالشكّ في التكليف، يقول سبحانه: (وَ لَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى) [١]، فالآية كنظيرتها، صريحة في أنّ احتجاجه سبحانه على العباد، أو احتجاجهم عليه، يدور مدار البيان الواصل و عدمه، فلو صدر البيان من المولى، لصحّ الاحتجاج على العباد، و إلّا لصحّ العكس، و اللّه سبحانه لإيصاد باب احتجاجهم عليه، بعث الأنبياء مبشرين و منذرين ليكون للّه سبحانه عليهم الحجّة، دون أن يكون لهم الحجّة عليه.
٣. انّه سبحانه يتبرّأ في كثير من آياته من التعذيب قبل البيان، و يراه أمراً غير ممكن أو غير لائق بشأنه تعالى و ما هذا إلّا لقبحه و يقول:
(وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا). [٢]
(ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا). [٣]
إنّ «كان» الناقصة إذا استعملت مع «ما» النافية يراد بها أحد المعنيين:
[١]. طه: ١٣٤.
[٢]. الإسراء: ١٥.
[٣]. القصص: ٥٩.