رسائل أصولية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٢ - إنّ التمسك بالبراءة العقلية يتحدّد بأُمور
لا يرضى بتركه حتّى في صورة الظن و الشكّ، كما إذا شاهدنا غريقاً نحتمل أنّه ولد المولى، فالعقل يحكم بالاحتياط لافتراض انّ التكليف فعلي منجز في صورة الاحتمال أيضاً، كما هو كذلك في صورتي الظن و القطع.
الثالث: إذا تمكّن المولى من البيان، على نحو يكون قادراً على بيان مقاصده، و أغراضه بأحد الوجهين، و مع ذلك ترك البيان، و لم يُلزم العبدَ بالإيجاب أو الترك فعندئذ يستقل العقل بعدم مسئولية العبد أمام مولاه، إذ لو كان له غرض لازم الاستيفاء لأبانه و بيّنه و لما سكت عنده.
نعم يمنع عن إجراء البراءة، انتفاء أحد الأُمور الثلاثة الماضية و ذلك بتحقّق أحد الأُمور التالية:
أ: ورود البيان من المولى إمّا بالعنوان الأوّلي أو بالعنوان الثانوي.
ب: احتمال وجود غرض مطلوب للمولى في المورد على نحو يكون الحكم فعلياً حتّى في صورة الشكّ أيضاً.
ج: كون المولى غير متمكّن من البيان، و عاجزاً عن تقرير مقاصده، و ممنوعاً من التكلّم على نحو تنقطع منه صلته بالمكلَّف.
و المفروض وجود الشرائط الثلاثة و عدم انتفائها فتجري البراءة العقلية، لعدم تمامية الحجّة على العبد، لو لم نقل بالعكس.
إنّ استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان لا يتوقّف على إدخاله تحت عنوان الظلم بأن يكون العقاب مع عدم البيان ظلماً بالنسبة إلى العبد، لما قلنا في محلّه من أنّ المستقلات العقلية في الحكمة العمليّة أكثر من القضيتين المعروفتين: ب-: «حسن العدل و قبح الظلم»، بل ربما يستقل العقل بأُمور، و إن لم ينطبق عليها عنوان الظلم أو العدل، كاستقلاله بحسن الوفاء بالميثاق و قبح نقضه،