رسائل أصولية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦١ - الاستصلاح أو المصالح المرسلة
الثالث: أن يكون الحكم على وفق المصلحة مستلزماً لإدخال ما ليس من الدين في الدين، فيكون تشريعاً محرّماً بالأدلّة الأربعة، و قد عرفت أنّ من الشرائط التي اعتبرها مالك بن أنس أن لا تمس المصالح المرسلة العبادات، لأنّ أغلبها توقيفية، و على هذا يكون الأذان الثاني أو الثالث بدعة محرّمة.
و أمّا المصلحة المزعومة من عدم كفاية الأذان بين يدي الخطيب لإعلامهم فلا يكون مسوّغاً لتشريع أذان آخر، و إنّما يتوصل إليه بأمر آخر.
الرابع: أن يكون المورد ممّا ترك أمره إلى الحاكم الإسلامي، و لم يكن للإسلام فيه حكم خاص، و هذا كتجنيد الجنود و إعداد السلاح و حماية البلاد، فإنّ القانون هو ما ورد من قوله سبحانه: (وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ). [١]
و أمّا تطبيق هذا القانون الكلّي فهو رهن المصالح، فللحاكم تطبيق القانون الكلّي على حسب المصالح، و هذا كتدوين الدواوين، و سك النقود، فإنّ الحكم الشرعي فيها هو حفظ مصالح المسلمين و صيانة بلادهم من كيد الأعداء.
و على هذا فالاستصلاح أو المصالح المرسلة تتحدّد بهذا القسم دون سائر الأقسام.
الخامس: تشريع الحكم حسب المصالح و المفاسد العامّة، فلو افترضنا أنّ موضوعاً مستجداً لم يكن له نظير في عصر النبي و الأئمّة المعصومين :، و فيه مصلحة عامّة للمسلمين، كضرورة إقامة الحكومة؛ أو مفسدة لهم، كالمخدّرات القتّالة، فالعقل يحكم بجلب الأُولى و الاجتناب عن الثانية، و عندئذ يكون الاستصلاح منشأ لكشف العقل عن حكم شرعي من دون أن يكون للمجتهد
[١]. الأنفال: ٦٠.