رسائل أصولية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٧ - إكمال و تفصيل
- إلى أن قال:- فمن أفاده الدليل العلم القاطع وجب عليه الأخذ به و تيقن دلالته، و من أفاده الظن الغالب لم يجز له أن يترك هذا الظن الغالب لعجزه عن تمام اليقين. [١]
إلى غير ذلك من الكلمات الّتي يشبه بعضها بعضاً، و يدعو الكل إلى لزوم بناء العقيدة على العلم و اليقين إنْ تيسّر، و إلا فعلى الظن، و لا يجوز ترك الظن الغالب، لعجزه عن اليقين.
أقول: إنّ هؤلاء- نوّر اللّه بصيرتهم- لم يفرّقوا بين الأحكام العملية و الأُصول العقائدية، و قاسوا الثانية بالأُولى، مع أنّه قياس مع الفارق، فالمطلوب في الأحكام هو العمل و هو يجتمع مع العلم و الظن، و لكن المطلوب في الثانية هو عقد القلب و الجزم و رفض الطرف المخالف، و هو لا يتولّد من الظن، فإنّ الظن لا يُذهب الشك، بخلاف اليقين فأنّه يطردهما معاً.
و تكليف الظان بموضوع، بالإذعان به و عقد القلب عليه تكليف بما لا يطاق، كتكليف الظان بطلوع الفجر، بالإذعان به.
و لو كان العمل بالظن في العقائد أمراً مطلوباً لما ندّد به القرآن الكريم في غير واحد من الآيات. قال سبحانه: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ*) [٢]، و قال: (وَ ما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) [٣]، إلى غير ذلك من الآيات.
[١]. موقف المتكلّمين: ١/ ١٩٨.
[٢]. الأنعام: ١١٦.
[٣]. يونس: ٣٦.