رسائل أصولية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٥ - إكمال و تفصيل
العقيدة إلا إذا احتفّ بقرائن خارجية تورث العلم و الجزم، و ما هذا إلا لأنّ المطلوب في الأحكام هو العمل، و هو أمر اختياري يقوم به الإنسان حتّى في حالتي الشك و التردد في صحة الحكم.
و أمّا الأُصول و المعارف فالمطلوب فيها عقد القلب و الإذعان على نحو يطرد الطرف النقيض بإحكام، و الخبر الواحد بما هو هو- و إن كان الراوي ثقة خصوصاً إذا كان بعيداً عن مصدر الوحي- لا يورث إلا الظن، و هو لا يغني في مجال العقيدة عن الحق شيئاً.
فعلى ما ذكرنا فالخبر الواحد إذا كان راويه ثقة و سنده صحيحاً، فإنّه يوصف بالصحة، و لكن لا ملازمة بين صحة السند، و صحة المضمون، لأنّ أقل ما يمكن أن يقال في آحاد الثقات انّهم ليسوا بمعصومين، و يحتمل في حقّهم الخطأ و الاشتباه في السمع و البصر و الذاكرة، فكيف يفيد قولهم العلم بالصحة؟ و مع ذلك فالخبر الواحد حجة في الفرعيات الّتي لا تعدّ و لا تحصى، لأنّ فرض تحصيل العلم فيها يستلزم الحرج، و ربّما لا يناله الفقيه، و لذلك اعتبره الفقهاء حجة من عهد الرسول (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) إلى يومنا هذا كما اعتبره العقلاء حجة في حياتهم الاجتماعية و سلوكهم الفردي.
و أمّا الأُصول و المعارف فهي رهن دليل قطعي حاسم يجلب اليقين و يخاصم الطرف المقابل.
نعم شذّ عن هذه القاعدة الّتي تؤيدها الفطرة و الكتاب و السنّة جماعةٌ اغترّوا بروايات الآحاد فجعلوها أُسساً للعقائد و الأُصول، يقول ابن عبد البرّ: ليس في الاعتقاد كلّه في صفات اللّه و أسمائه إلا ما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كلّه أو نحوه يسلم له، و لا يناظر فيه.