الإفصاح في الإمامة - الشيخ المفيد - الصفحة ٨
منه لشدّة زحام الناس للصلاة عليه، و من كثرة بكاء المؤالف و المخالف، و لا عجب فقد فقد العلم به حامل لوائه، و زعيم طلائعه، و رائد الفكر و فارسه المعلّم و كميّه المقدام، و ثلم الدين بموته ثلمة لا يسدّها شيء.
كان[١] قدّس سرّه شيخا ربعة، نحيفا، أسمر، خشن اللباس، كثير الصلاة و الصوم و التقشّف و التخشّع و الصدقات، عظيم الخشوع، ما كان ينام من الليل إلّا هجعة ثمّ يقوم و يصلّي، أو يتلو كتاب اللّه، أو يطالع، أو يدرّس.
كان مديما للمطالعة و التعليم، و من أحفظ الناس، قيل إنّه ما ترك للمخالفين كتابا إلّا حفظه، و بهذا قدر على حلّ شبه القوم.
كان دقيق الفطنة، ماضي الخاطر، حاضر الجواب، حسن اللسان و الجدل، ضنين السرّ، جميل العلانية، بارعا في جميع العلوم، حتّى كان يقال: له على كلّ إمام منّة.
كان نشيطا للبحث و المناظرة، صبورا على الخصم، و كان يناظر أهل كلّ عقيدة فلا يدرك شأوه، و لم يكن في زمانه من يدانيه أو يضاهيه في هذا المضمار، حتّى جعل المخالفين في ضيق شديد بقوّة حجّته و تأثير
[١]- كلّ ما سنورده من أحواله و صفاته و مديحه فهو ممّا أطراه به كبار علماء الرجال و التاريخ من الفريقين، كصهره أبي يعلى الجعفري و تلميذيه النجاشيّ و الطوسيّ؛ و كأبي حيّان التوحيدي و ابن النديم و الخطيب البغداديّ و اليافعي و الذهبي و ابن الجوزي و ابن حجر العسقلاني و ابن كثير الشاميّ و غيرهم.