إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٦١ - أصحاب علي
عَلَى آخِرِ قَوْلِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِيَ سَبَا[١]، تَرْجِعُونَ إِلَى مَجَالِسِكُمْ، وَ تَتَخَادَعُونَ[٢] عَنْ مَوَاعِظِكُمْ، أُقَوِّمُكُمْ غُدْوَةً، وَ تَرْجِعُونَ إِلَيَّ عَشِيَّةً، كَظَهْرِ اَلْحَنِيَّةِ[٣]، عَجَزَ اَلْمُقَوِّمُ[٤]، وَ أَعْضَلَ اَلْمُقَوَّمُ.
أَيُّهَا اَلْقَوْمُ اَلشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ، اَلْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، اَلْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ، اَلْمُبْتَلَى بِهِمْ أُمَرَاؤُهُمْ. صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اَللَّهَ وَ أَنْتُمْ تَعْصُونَهُ، وَ صَاحِبُ أَهْلِ اَلشَّامِ يَعْصِي اَللَّهَ وَ هُمْ يُطِيعُونَهُ. لَوَدِدْتُ وَ اَللَّهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ اَلدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ، فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةَ مِنْكُمْ وَ أَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ!
يَا أَهْلَ اَلْكُوفَةِ، مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلاَثٍ وَ اِثْنَتَيْنِ: صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ، وَ بُكْمٌ* ذَوُو
[١] أَيَادِيَ سَبَا: مثل يضرب للمتفرّقين و أصله قوله تعالى عن أهل سبا: (وَ مَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) [سبأ - (١٩)]، و سبأ بالهمزة وزان جبل يصرف و لا يصرف و هو بلدة بلقيس و لقب ابن يشحب بن يعرب بن قحطان اسمه عبد شمس.
الأيادى: جمع الأيدي و هو جمع اليد، قال الرّيّ: و هو كناية عن الأبناء و الأسرة لأنّهم في التقوى و البطش بهم بمنزلة الأيدي، و يقال: ذهبوا أيدي سبأ و أيادى سبا الياء ساكنة و كذلك الألف. هكذا نقل المثل أي: ذهبوا متفرّقين، و هما اسمان جعلا اسماً واحداً مثل معدى كرب ضرب المثل بهم لأنّهم لما غرق مكانهم و ذهبت جنّاتهم تبدّدوا في البلاد. [منهاج البراعة - الخوئي]
روى الطبرسيّ في تفسير سورة سبأ في قصة تفرّق أولاد سبأ عن الكلبي عن أبي صالح قال: ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر الذي يقال له مزيقيا بن ماء السّما و كانت قد رأت في كهانتها أنّ سدّ مارب سيخرب و أنّه سيأتي سيل العرم فيخرب الجنّتين، فباع عمرو بن عامر أمواله و سار هو و قومه حتّى انتهوا إلى مكة فأقاموا بها و ما حولها فأصابتهم الحمى، و كانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى، فدعوا طريقة فشكوا إليها الذي أصابهم فقالت لهم: قد أصابني الذي تشكون و هو مفرّق بيننا، قالوا: فما ذا تأمرين؟ قالت: من كان منكم ذا همّ بعيد و جمل شديد و مزاد جديد فليلحق بقصر عمان المشيد و كانت ازدعمان، ثمّ قالت: من كان منكم ذا جلد و قسر و صبر على أزمات الدّهر فعليه بالأراك من بطن مرّ (نمر خ ل) و كانت خزاعة، ثمّ قالت: من كان منكم يريد الرّاسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل و كانت الأوس و الخزرج، ثمّ قالت: من كان منكم يزيد الخمر الخمير و الملك و التأمير و ملابس التّاج و الحرير فليلحق ببصرى و عوير، و هما من أرض الشّام و كان الذين سكنوها آل خفية بن غسان، ثمّ قالت: من كان منكم يريد الثياب الرقاق و الخيل العتاق و كنوز الأرزاق و الدّم المهراق فليلحق بأرض العراق و كان الذين سكنوها آل جذيمة الأبرش و من كان بالحيرة و آل محرق.
[٢] تَتَخَادَعُونَ: قال في القاموس: تخادع فلان أرى أنّه مخدوع و ليس به، و لا يجوز إرادة هذا المعنى في المقام بل الأظهر أنّه من قولهم سوق خادعة مختلفة متلونة و خلق خادع متلوّن أي تختلفون و تتلوّنون في قبول الوعظ و لكنه يبعده لفظة عن، اللّهم إلَّا أن يضمن معنى الاعراض.
[٣] الْحَنِيَّةِ: وزان غنية القوس و الجمع حنى و حنايا.
[٤] الْمُقَوِّمُ: المقوّم الأوّل على زنة الفاعل، و الثاني على زنة المفعول.
(*) و في نسخةٍ (منكم) بدل (بكم).