إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٣٩٧ - ١١٣ و من خطبة له عليه السلام في مواعظ للناس
حَتَّى أَسْهَرَتْ لَيَالِيَهُمْ، وَ أَظْمَأَتْ هَوَاجِرَهُمْ[١]؛ فَأَخَذُوا اَلرَّاحَةَ بِالنَّصَبِ، وَ اَلرِّيَّ[٢] بِالظَّمَإِ[٣]؛ وَ اِسْتَقْرَبُوا اَلْأَجَلَ فَبَادَرُوا اَلْعَمَلَ، وَ كَذَّبُوا اَلْأَمَلَ فَلاَحَظُوا اَلْأَجَلَ. ثُمَّ إِنَّ اَلدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَ عَنَاءٍ، وَ غِيَرٍ[٤] وَ عِبَرٍ؛ فَمِنَ اَلْفَنَاءِ أَنَّ اَلدَّهْرَ مُوتِرٌ[٥] قَوْسَهُ، لاَ تُخْطِئُ سِهَامُهُ، وَ لاَ تُؤْسَى[٦] جِرَاحُهُ. يَرْمِي اَلْحَيَّ بِالْمَوْتِ، وَ اَلصَّحِيحَ بِالسَّقَمِف وَ اَلنَّاجِيَ بِالْعَطَبِ. آكِلٌ لاَ يَشْبَعُ وَ شَارِبٌ لاَ يَنْقَعُ. وَ مِنَ اَلْعَنَاءِ أَنَّ اَلْمَرْءَ يَجْمَعُ مَا لاَ يَأْكُلُ وَ يَبْنِي مَا لاَ يَسْكُنُ. ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى لاَ مَالاً حَمَلَ وَ لاَ بِنَاءً نَقَلَ. وَ مِنْ غِيَرِهَا أَنَّكَ تَرَى اَلْمَرْحُومَ مَغْبُوطاً وَ اَلْمَغْبُوطَ مَرْحُوماً؛ لَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ نَعِيماً زَلَّ، وَ بُؤْساً نَزَلَ. وَ مِنْ عِبَرِهَا أَنَّ اَلْمَرْءَ يُشْرِفُ عَلَى أَمَلِهِ فَيَقْتَطِعُهُ حُضُورُ أَجَلِهِ. فَلاَ أَمَلٌ يُدْرَكُ، وَ لاَ مُؤَمَّلٌ يُتْرَكُ، فَسُبْحَانَ اَللَّهِ مَا أَعَزَّ سُرُورَهَا! وَ أَظْمَأَ رِيَّهَا! وَ أَضْحَى[٧] فَيْأَهَا! لاَ جَاءٍ يُرَدُّ، وَ لاَ مَاضٍ يَرْتَدُّ.
فَسُبْحَانَ اَللَّهِ، مَا أَقْرَبَ اَلْحَيَّ مِنَ اَلْمَيِّتِ لِلَحَاقِهِ بِهِ، وَ أَبْعَدَ اَلْمَيِّتَ مِنَ اَلْحَيِّ لاِنْقِطَاعِهِ عَنْهُ!
إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِشَرٍّ مِنَ اَلشَّرِّ إِلاَّ عِقَابُهُ، وَ لَيْسَ شَيْءٌ بِخَيْرٍ مِنَ اَلْخَيْرِ إِلاَّ ثَوَابُهُ. وَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ اَلدُّنْيَا سَمَاعُهُ أَعْظَمُ مِنْ عِيَانِهِ[٨]، وَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ اَلْآخِرَةِ عِيَانُهُ أَعْظَمُ مِنْ سَمَاعِهِ. فَلْيَكْفِكُمْ مِنَ اَلْعِيَانِ اَلسَّمَاعُ، وَ مِنَ اَلْغَيْبِ اَلْخَبَرُ.
[١] الهَوَاجِر: جمع الهاجرة، و هو كالهجر و الهجيرة: نصف النهار، أو من عند زوال الشمس إلى العصر؛ لأنّ الناس يستكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا، و شدّة الحرّ.
[٢] الرِّيَّ: بالكسر، اسم من روى من الماء و اللبن ريّاً.
[٣] الظَّمإِ: محرّكة: العطش أو شدّته.
[٤] الغِيَر: اسم من غيره جعله غير ما كان، و حوّله و بدله، و غِير الدهر وزان (عنب): أحداثه المغيرة.
[٥] مُوتِرٌ: من باب الإفعال أو التفعيل و كلاهما مرويّان، يقال: أوتر القوس أي جعل لها وتراً، و وترها تؤتى أشدّ وترها، و الوتر محرّكة شرعة القوس و معلقها، و الجمع أوتار. [المصباح (وتر) /منهاج البراعة - الخوئي]
[٦] تُوسَى: أسى الجرح أسوأ واسى: داواه، أسوت بين القوم: أصلحت.
[٧] أَضْحَى: أضحى فيئها من ضحى الرجل إذا برز للشمس.
[٨] العِيَانِ: بالكسر: المعاينة، يقال: لقيه عياناً، أي: معاينة، لم يشكّ في رؤيته إيّاه.