إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ١٥٠ - صفة العالم
[١٠٢]
و من خطبة له عليه السلام في التزهيد في الدنيا
أَيُّهَا اَلنَّاسُ! اُنْظُرُوا إِلَى اَلدُّنْيَا نَظَرَ اَلزَّاهِدِينَ فِيهَا، اَلصَّادِفِينَ[١]عَنْهَا، فَإِنَّهَا وَ اَللَّهِ عَمَّا قَلِيلٍ تُزِيلُ اَلثَّاوِيَ[٢] اَلسَّاكِنَ، وَ تَفْجَعُ[٣]اَلْمُتْرَفَ[٤] اَلآْمِنَ، لاَ يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ، وَ لاَ يُدْرَى مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فَيُنْتَظَرَ، سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ، وَ جَلَدُ[٥] اَلرِّجَالِ فِيهَا إِلَى اَلضَّعْفِ وَ اَلْوَهْنِ، فَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا، لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا.
رَحِمَ اَللَّهُ اِمْرَأً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ، وَ اِعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ، فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ اَلدُّنْيَا عَنْ قَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ، وَ كَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ اَلْآخِرَةِ عَمَّا قَلِيلٍ لَمْ يَزَلْ، وَ كُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ[٦]، وَ كُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ، وَ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ دَانٍ.
و منها: اَلْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ، وَ كَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلاَّ يَعْرِفَ قَدْرَهُ، وَ إِنَّ مِنْ أَبْغَضِ اَلرِّجَالِ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى لَعَبْداً وكله اَللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ، جَائِراً عَنْ قَصْدِ اَلسَّبِيلِ، سَائِراً بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ اَلدُّنْيَا عَمِلَ، وَ إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ اَلْآخِرَةِ
[١] الصَّادِفِينَ: صدفت عنه أصدف من باب ضرب: أعرضت، و صدفت المرأة فهي صدوف، و هي التي تعرض وجهها عليك ثمّ تصدف عنك.
[٢] الثَّاوِيَ: ثوى بالمكان و فيه، و ربّما يتعدّى بنفسه من باب رمى، يثوى ثواء بالمدّ: أقام فهو ثاو، قال تعالى: (وَ مٰا كُنْتَ ثٰاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ) [القصص - (٤٥)].
[٣] تَفْجَعُ: فجعه يفجعه من باب منع وجعه كفجّعه أو الفجع أن يوجع الإنسان بشيء يكرم عليه فيعدمه.
[٤] الْمُتْرَفَ: أترفته النعمة أطغته و المترف وزان مكرم: المتروك يصنع ما يشاء و لا يمنع.
[٥] الجَلَدُ: محركة الشّدة و القوّة فهو جلد و جليد، أي: شديد قويّ.
[٦] مُنْقَضٍ: النّقض كالانتقاض ضد الإبرام، و في بعض النسخ (منتقض) بدل (منقض). [منهاج البراعة - الخوئي]