إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٣٧٧ - ١١٢ و من خطبة له عليه السلام في التّحذير من الدنيا
[١١٢]
و من خطبة له عليه السلام
في التّحذير من الدنيا
وَ أُحَذِّرُكُمُ اَلدُّنْيَا فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ[١]، وَ لَيْسَتْ بِدَارِ نُجْعَةٍ[٢]. قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِهَا، وَ غَرَّتْ بِزِينَتِهَا. دَارُهَا هَانَتْ عَلَى رَبِّهَا، فَخَلَطَ حَلاَلَهَا بِحَرَامِهَا، وَ خَيْرَهَا بِشَرِّهَا وَ حَيَاتَهَا بِمَوْتِهَا، وَ حُلْوَهَا بِمُرِّهَا. لَمْ يُصْفِهَا اَللَّهُ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ، وَ لَمْ يَضِنَّ بِهَا عَلَى أَعْدَائِهِ. خَيْرُهَا زَهِيدٌ وَ شَرُّهَا عَتِيدٌ. وَ جَمْعُهَا يَنْفَدُ، وَ مُلْكُهَا يُسْلَبُ، وَ عَامِرُهَا يَخْرَبُ[٣]، فَمَا خَيْرُ دَارٍ تُنْقَضُ نَقْضَ اَلْبِنَاءِ، وَ عُمُرٍ يَفْنَى فِيهَا فَنَاءَ اَلزَّادِ، وَ مُدَّةٍ تَنْقَطِعُ اِنْقِطَاعَ اَلسَّيْرِ! اِجْعَلُوا مَا اِفْتَرَضَ اَللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلَبِكُمْ[٤]، وَ اِسْأَلُوهُ مِنْ أَدَاءِ حَقِّهِ مَا سَأَلَكُمْ.
وَ أَسْمِعُوا دَعْوَةَ اَلْمَوْتِ آذَانَكُمْ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى بِكُمْ. إِنَّ اَلزَّاهِدِينَ فِي اَلدُّنْيَا تَبْكِي قُلُوبُهُمْ وَ إِنْ ضَحِكُوا، وَ يَشْتَدُّ حُزْنُهُمْ وَ إِنْ فَرِحُوا، وَ يَكْثُرُ مَقْتُهُمْ[٥] أَنْفُسَهُمْ وَ إِنِ اِغْتَبَطُوا بِمَا رُزِقُوا. قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ اَلْآجَالِ، وَ حَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ اَلْآمَالِ، فَصَارَتِ اَلدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ اَلْآخِرَةِ، وَ اَلْعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ اَلْآجِلَةِ، وَ إِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانٌ عَلَى دِينِ اَللَّهِ مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلاَّ خُبْثُ اَلسَّرَائِرِ،
[١] قُلْعَةِ: بالضمّ: العزل، و المال: العارية أو ما لا يروم، و منزلنا منزل قُلعة و قَلعة و قِلعة وزان همزة، أي: ليس بمستوطن، أو لا تدري متى تتحول عنه أو لا تملكه.
[٢] نُجْعَةٍ: بالضمّ: طلب الكلاء في موضعه.
[٣] يَخْرَبُ: يخرب بالبناء على الفاعل، مضارع بابُ فعِل كفرِح، و في بعض النسخ بالبناء على المجهول، مضارع أخرب، و في بعضها يتخرّب مضارع باب التفعل مبنياً على الفاعل أيضاً. [منهاج البراعة - الخوئي]
[٤] الطَلِبة: بفتح الطاء و كسر اللام: ما طلبته.
[٥] مَقْتُهُمْ: مقته مقتاً: أبغضه، فهو مقيت و ممقوت.