إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢٥٥ - عصيان الخلق
و منها مِنْ مَلاَئِكَةٍ أَسْكَنْتَهُمْ سَمَاوَاتِكَ، وَ رَفَعْتَهُمْ عَنْ أَرْضِكَ؛ هُمْ أَعْلَمُ خَلْقِكَ بِكَ، وَ أَخْوَفُهُمْ لَكَ، وَ أَقْرَبُهُمْ مِنْكَ، لَمْ يَسْكُنُوا اَلْأَصْلاَبَ، وَ لَمْ يُضَمَّنُوا اَلْأَرْحَامَ، وَ لَمْ يُخْلَقُوا (مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ)[المرسلات – ٢٠][١]وَ لَمْ يَتَشَعَّبْهُمْ[٢] (رَيْبُ اَلْمَنُونِ)[الطور – ٣٠][٣] وَ إِنَّهُمْ عَلَى مَكَانِهِمْ مِنْكَ، وَ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَكَ، وَ اِسْتِجْمَاعِ أَهْوَائِهِمْ فِيكَ، وَ كَثْرَةِ طَاعَتِهِمْ لَكَ، وَ قِلَّةِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ أَمْرِكَ، لَوْ عَايَنُوا كُنْهَ مَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْكَ لَحَقَّرُوا أَعْمَالَهُمْ، وَ لَزَرَوْا[٤] عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَ لَعَرَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَ لَمْ يُطِيعُوكَ حَقَّ طَاعَتِكَ.
سُبْحَانَكَ خَالِقاً وَ مَعْبُوداً، بِحُسْنِ بَلاَئِكَ عِنْدَ خَلْقِكَ. خَلَقْتَ دَاراً، وَ جَعَلْتَ فِيهَا مَأْدُبَةً[٥]: مَشْرَباً وَ مَطْعَماً، وَ أَزْوَاجاً وَ خَدَماً، وَ قُصُوراً، وَ أَنْهَاراً، وَ زُرُوعاً، وَ ثِمَاراً! ثُمَّ أَرْسَلْتَ دَاعِياً يَدْعُو إِلَيْهَا، فَلاَ اَلدَّاعِيَ أَجَابُوا، وَ لاَ فِيمَا رَغَّبْتَ رَغِبُوا، وَ لاَ إِلَى مَا شَوَّقْتَ إِلَيْهِ اِشْتَاقُوا. أَقْبَلُوا عَلَى جِيفَةٍ قَدِ اِفْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا، وَ اِصْطَلَحُوا عَلَى حُبِّهَا، وَ مَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ، وَ أَمْرَضَ قَلْبَهُ، فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ، وَ يَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَةٍ، قَدْ خَرَقَتِ اَلشَّهَوَاتُ عَقْلَهُ، وَ أَمَاتَتِ اَلدُّنْيَا قَلْبَهُ، وَ وَلِهَتْ[٦] عَلَيْهَا نَفْسُهُ، فَهُوَ عَبْدٌ لَهَا، وَ لِمَنْ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا، حَيْثُمَا زَالَتْ زَالَ إِلَيْهَا، وَ حَيْثُمَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَ عَلَيْهَا؛ لاَ يَنْزَجِرُ مِنَ
[١] مَاءٍ مَهينٍ: أي: ضعيف حقير، و هي النطفة.
[٢] يَشْعَبْهُمْ: انشعبت: أغصان الشجرة و تشعّبت: تفرّقت.
[٣] المَنُونِ: الدّهر من مننت الشيء قطعته، لأنه يقطع الأعمار.
[٤] زَرَوْا: زرى عليه زرياً من باب رمى، و زرية و زراية بالكسر، عابه و استهزء به، قال أبو عمر الشيباني: الزّاري على الإنسان هو الذي ينكر عليه و لا يعدّه شيئاً.
[٥] المأْدُبَةً: بفتح الهمزة و ضمّها وزان مسعدة و مكرمة: طعام صنع لدعوة أو عرس، من أدب فلان أدباً من باب ضرب إذا عمل مأدبة.
[٦] وَلِهَتْ: و له الرّجل من باب ضرب و منع و حسب إذا تحيّر من شدّة الوجد، و في بعض النسخ: و لهت بالتضعيف، و نصب نفسه على المفعول. [منهاج البراعة - الخوئي]