إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٣٣٥ - ١١٠ و من خطبة له عليه السلام في ذم الدنيا
وَ آثَرَهَا وَ أَخْلَدَ إِلَيْهَا، حِينَ ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ اَلْأَبَدِ. وَ هَلْ زَوَّدَتْهُمْ إِلاَّ اَلسَّغَبَ[١]، أَوْ أَحَلَّتْهُمْ إِلاَّ اَلضَّنْكَ، أَوْ نَوَّرَتْ لَهُمْ إِلاَّ اَلظُّلْمَةَ، أَوْ أَعْقَبَتْهُمْ إِلاَّ اَلنَّدَامَةَ! أَ فَهَذِهِ تُؤْثِرُونَ، أَمْ إِلَيْهَا تَطْمَئِنُّونَ، أَمْ عَلَيْهَا تَحْرِصُونَ؟ فَبِئْسَتِ اَلدَّارُ لِمَنْ لَمْ يَتَّهِمْهَا، وَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَلَى وَجَلٍ مِنْهَا! فَاعْلَمُوا - وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ - بِأَنَّكُمْ تَارِكُوهَا وَ ظَاعِنُونَ عَنْهَا، وَ اِتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِينَ قَالُوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنّٰا قُوَّةً)[فصلت – ١٥] حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلاَ يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً، وَ أُنْزِلُوا اَلْأَجْدَاثَ. فَلاَ يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً، وَ جُعِلَ لَهُمْ مِنَ اَلصَّفِيحِ[٢] أَجْنَانٌ، وَ مِنَ اَلتُّرَابِ أَكْفَانٌ، وَ مِنَ اَلرُّفَاتِ جِيرَانٌ، فَهُمْ جِيرَةٌ لاَ يُجِيبُونَ دَاعِياً، وَ لاَ يَمْنَعُونَ ضَيْماً، وَ لاَ يُبَالُونَ مَنْدَبَةً. إِنْ جِيدُوا لَمْ يَفْرَحُوا وَ إِنْ قُحِطُوا، لَمْ يَقْنَطُوا. جَمِيعٌ وَ هُمْ آحَادٌ، وَ جِيرَةٌ وَ هُمْ أَبْعَادٌ. مُتَدَانُونَ لاَ يَتَزَاوَرُونَ، وَ قَرِيبُونَ لاَ يَتَقَارَبُونَ. حُلَمَاءُ قَدْ ذَهَبَتْ أَضْغَانُهُمْ، وَ جُهَلاَءُ قَدْ مَاتَتْ أَحْقَادُهُمْ. لاَ يُخْشَى فَجْعُهُمْ، وَ لاَ يُرْجَى دَفْعُهُمْ، اِسْتَبْدَلُوا بِظَهْرِ اَلْأَرْضِ بَطْناً، وَ بِالسَّعَةِ ضِيقاً، و بالأهل غربة، و بالنور ظلمة، فجاءوها كما فارقوها، حُفَاةً عُرَاةً. قَدْ ظَعَنُوا عَنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ إِلَى اَلْحَيَاةِ اَلدَّائِمَةِ وَ اَلدَّارِ اَلْبَاقِيَةِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: (كَمٰا بَدَأْنٰا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَعْداً عَلَيْنٰا إِنّٰا كُنّٰا فٰاعِلِينَ)[الأنبِیاء ١٠٤].
[١] السَّغَبَ: محرّكة: الجوع في تعب، سغب سغوباً من باب (تعب): جاع.
[٢] الصَّفِيحِ: وجه كلّ شيء عريض، و صفائح الباب: ألواحه، و الصفيحة: السيف العريض. [مجمع البحرين/ (صفح)