الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ١٦٠ - في فلسطين
المظفر مائة ألف أو يزيدون، و بينا نحن في السرادق المضروب لاستقبالهما إذا بضجة صعدت للسماء و هتاف بصوت واحد: ليحي أنور و جمال. فهرع القوم جميعا، و إذا بالبدرين قد بزغا من مطلع الأفق على سيارتهما، و عرجا على السرادق هنيهة، ثم استأنفا السير بين أقواس النصر و صفوف الأهلين على اختلاف عناصرهم و مذاهبهم رجالا و نساء و أطفالا و طلبة مدارس على طبقاتها و مشاربها، و الأعلام بأيديهم يحيون أعظم من يحبون. مرت سيارتهما و رفاؤهما تخترق الطريق بين تصفيق الرجال، و هتاف الأطفال، و زغاريد النساء، حتى وصلا إلى المقر العسكري العالي.
لم يقم الأهالي بهذا الاحتفال النادر خوفا أو رياء، و لكنه الإحساس الوطني الحي، و القلوب و النفوس التي تعشق أنور و جمالا عشقا عذريا، و من لا يعشق النور و الجمال؟! و من لا يحتفل بمحيي حريته و مؤسسي سعادته؟! و لقد رأيت بنفسي امرأة قروية جاءت مندهشة هائجة تخترق الصفوف، و هي تزغرد و تقول: «أروني أنور، أروني أنور، أروني ولدي و حبيبي، إنني سامحته في أولادي الموجودين تحت السلاح، فليموتوا فداء له و للوطن» قال الراوي: فبكيت، و أنا و اللّه شهيد.
و رأيت قروية أخرى فاتتها مشاهدة أنورنا تتأسف، و تعض يديها ندما لعدم حضورها ملاقاة هذا البطل و رؤيته، كأنها فاقدة أنجح أبنائها. هذا لعمري هو الإخلاص الحقيقي و الشعور الصحيح و الحب الخالي من التصنع و المداجاة؛ لأنه شعور قروي طبيعي، لا أقول: إنه الوفاء العربي، و لكنه الإخلاص العثماني الخالص.