الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ٨٦ - ترحيب الإقبال بسيف الدولة القاطع و بدر سمائها الساطع الوزير الكبير و القائد الخطير «صاحب الدولة و المجد أنور باشا المعظم» وكيل القائد الأعظم و ناظر الحربية الجليلة زيد جلاله و دام اقباله
و قلبوا الوزارة، و عاد الذين أوجدوا الدستور إلى استلام أزمة الأحكام، فهتف لهم الشعب العثماني بأجمعه هتاف الفرح، و ما لبث محمود شوكت باشا الذي أصبح صدرا أعظم أن رفض شروط الأعداء، و زحف أنور باشا في طليعة فريق من البواسل، فاسترجع أدرنة التي كانت قد اضطرت إلى التسليم بعد حصار شهور عديدة، فازداد تعلق الجيش و الشعب بهذا الرجل النادر المثال بعد استرجاع أدرنة.
و بعد الفاجعة بمقتل محمود شوكت باشا جعل أنور النابغة العسكري الوطني وزيرا للحربية، و رقي إلى رتبة باشا، فتجلت فيه صفات رجل متعلم عظيم يتبع الغاية التي وضعها نصب عينيه بهمة لا تعرف الملل.
و من ذلك الحين جعل يوالي سعيه آناء الليل و أطراف النهار في تنظيم الجيش الذي ضعضعته الحرب البلقانية، و في نفس الوقت كان زميله جمال باشا ينظم الأسطول الذي ظهرت دربته في المعارك الأخيرة، فبعد وقت يسير تعزز الجيش و الأسطول، و سارا خطوات عديدة نحو الكمال.
و في أثناء ذلك تلبد الجو بالغيوم، و بدأت الدلائل تدل على قرب هبوب عاصفة هائلة، فأدرك أنور و زملاؤه الخطر، مما دل على عظم تبصرهم، و عرفت الوزارة ماوراء الأكمة، فظهر أنور باشا من أقوى رجال السياسة، فوضعنا أيدينا في أيدي الدول الوسطى نشاطرهم السراء و الضراء، بيد أن دول الاتفاق كانوا يمكرون رياء و يلتمسون حفر هوة يلقوننا فيها، مغلظين لنا أيمان الحب و الولاء، مبتسمين ابتسام يهوذا، و لكن باءت مساعيهم بالفشل، و مددنا يد الإخلاص و الولاء إلى حليفتينا ألمانيا و النمسا، و انضمت إلينا بلغاريا بعد حين،