الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ١٤٠ - جاء في المقتبس بقلم أحد محرريه شقيقنا أحمد كرد علي إجلال الأبطال
و لما كان قد أخذ على نفسه تخليص البلاد الإسلامية من الأسر و الاستعباد، و النهوض بالعالم الإسلامي إلى العز و الافتخار، فقد تقلد- أعانه اللّه- بنفسه قيادة الجيش الرابع، و آلى على نفسه أن يخلص مصر و إفريقية من مخالب الفسق و الفجور، و يجعل تلك الأراضي المقدسة، الآهلة بالمسلمين ترفل بحلل السعادة و الهناء، فأمده اللّه بقوة عظيمة من المعونة الإلهية، و شرف قدومه السعيد إلى هذه الربوع التي أحياها بعد مماتها.
سورية، لم تكد تطأ أقدامه هذه البلاد حتى انقلبت فجأة من حال إلى حال، و لا غرو، فذلك سر من أسرار اللّه يهبه لمن يشاء من عباده المخلصين.
أوجد في سورية جيشا عرمرما، و حياة له طيبة، طهرها من الفساد، و زرع فيها حب الإسلام، و علم أبنائها كيف يجب أن يعيشوا لإحياء دينهم، مثل في أعماله الرجال الأولين، وفاق عنهم بمراحل بما أتاه من المعجزات، كان يواصل الليل بالنهار يشتغل في إدارة شئون هذه المناطق حتى عمّ ذكره الخافقين، و التحقت به أبناء هاشم و عدنان.
كان يجد وراء إعمار هذه البلاد، و بالوقت نفسه كان يسير الأسطول العثماني كيفما يشاء، و يلهمه اللّه لكل أمر فيه الخير و النفع العام، ظهر الخير و البشر في هذه الأنحاء على يده، و كان قدومه الكريم أكبر مساعد لتحقيقه، فلم يبق صغير و لا كبير إلا و هو يتوسل ليلا و نهارا لرافع السماء، و باسط الأرض بأن يمد في حياته؛ ليعلو شأن الإسلام به؛ أغنى الفقير، و رحم الغني، و ساعد المتوسط، و أشفق على الكبير و الصغير حتى امتلك القلوب.