الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ٦ - المقدمة
الإسلامي و إعلانه الجهاد المقدس عند مسيس الحاجة، و حزمه المدهش في الدفاع عن جناق قلعة و إنقاذ روح المملكة و عاصمتها؟ أو نشكر له مع رفاقه سعيه في محالفة أصحاب الشرف و النفوذ من الدول؟
كل ذلك معروف موصوف، يعرفه البعيد و القريب، و يتغنى به البغيض و الحبيب، نقش برمته في الصدور قبل السطور، و لهجت به الألسن، و رجعت صداه الأفكار، حتى أمسى سمر الناس و حديثهم، و رضي به و عنه اللّه.
و كأنا بحضرة القائد العظيم يردد في روحه الطاهرة قوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ و يمعن النظر في قوله عليه الصلاة و السلام: «كلكم راع و كلكم مسئول عن رعيته»، فقد كان- أعزه اللّه- حريصا قبل كل شيء على تجديد الشعائر الفاضلة التي ظهر بها الإسلام في بدايته، فاستقر رأيه العالي على زيارة معلم الخير مؤسس الملة الشارع الأعظم (صلوات اللّه و سلامه عليه)، و تفقد الشئون في البلاد الشامية [١] و ما أحدث فيها من قلاع و حصون، و البحث في حال جيشها في زمن حمي به وطيس الحرب العامة، و انقسم فيه العالم إلى قسمين متحاربين، و لم يحد منه سوى جزء من الممالك هو في حكم المحارب، و الدولة العثمانية، أعلى اللّه بالنصر أعلامها، تحارب مع حلفائها حربا لم يسبق لها مثيل في الأيام الغابرة، حرب لا توسط في نتائجها؛ إما الحياة الطيبة، أو الفناء الأكيد و العياذ باللّه.
[١] درجنا هنا على اصطلاح علماء الجغرافية من العرب، فإنهم إذا قالوا: الشام، يعنون به القطر الممتد من عريش مصر إلى الفرات، فيدخل فيه اليوم لواء القدس و ولاية بيروت و ولاية سورية و لواء حلب و متصرفية لبنان و بعض لواء الزور. و فلسطين داخلة في الشام المقصود هنا.