الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ١٨٩ - في المدينة المنورة
طوله نحو المائة و العشرين مترا، و عرضه نحو الثلاثين مترا؛ بحيث لا يكاد الإنسان ينظر إلى أخيه متلفتا.
ثم سار هذا الحفل العظيم على ذلك الترتيب الغريب بكل رزانة و تؤدة حتى باب السلام النبوي، فلما وصلا هناك ذبحت الذبائح من غنم و إبل، و تركت للفقراء و المساكين.
و لما اقترب حضرة أنور باشا من عتبة الباب أخذ المجاورون من أهل فاس و الجزائر و تونس و الهند و جاوه يقربون القرابين، و كان نظره أثناء السير محدقا في الأرض خشوعا، و الدموع تنهمل من عينيه فرحا بالشرف الذي ناله بهذه الزيارة المقدسة، فاقترب القادمان أولا من الروضة المطهرة، و أخذا يرددان الصلاة و السلام على الرسول الأكرم (صلى اللّه عليه و سلم)، و يقرآن الأدعية الخيرية، ثم أقبلا على الروضة المطهرة، فصليا سنة تحية المسجد ركعتين.
و لما مثلا أمام الضريح الأقدس يعلوهما الخشوع لذلك المقام وقفا حيث الرحمات تترى، و الفيوضات الربانية تتدفق؛ حيث تقف الروح في مركزها الأعلى، فتستنشق هاتيك الروائح الطيبة، فتتجرد عن الكثافات، و تتحاشى عن الدنايا، فاضت العيون و سالت عبرات الشوق على الوجنات، و هنالك عرف الكل تلك الصفات التي جعلت بطلنا الأنور و شهمنا الجمال يحوزان بها ثقة الأمة و رضا الثلاثمائة مليون مسلم؛ إذ كنت تراهما و قد ظهرا بمظهر الدين، و ترديا برداء اليقين، راكعين للّه ساجدين لعظمته أمام ذلك الجلال الرباني و النور الصمداني، سائلين اللّه بجاهه أن يذلل لهم كل عقبة، و أن يسهل عليهم كل عسير، و أن ينصر الجيش العثماني في كل التخوم، لا سيما في الترعة التي