الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ١٨٣ - في صحراء التيه
من آثار إقدامهم و بسالتهم، و ما منهم إلا من قبّل يديه، و منهم من وقع على رجليه يقبلهما، و منهم من صافحه، فكان ذاك من أبهج الأيام، و أجمل المناظر، تجلت فيها المحبة الفطرية التي جبل عليها العرب، باديهم و حاضرهم للدولة العثمانية و رجالها الأمناء الصادقين.
و ظهر كالشمس في رابعة النهار أننا أمة إذا عقدت عزمها على عمل عظيم، و أخلصت النية في سبيل الواجب تنهض به خير نهوض. و لعمري، من كان يظن أننا في مثل هذه الحرب الزبون و نحن نجالد و نجادل في أربع ساحات للقتال، كل واحدة منها مما تعجز عنه دولة عظمى بمجموع قوتها، نوفق إلى إحداث ما أحدثناه من الطرق المختلفة و المعاهد و الأوضاع و المرافق في طريق مصر؟ أما لو جئنا نعدد هنا بالتفصيل ما تم على أيدي رجال الجيش الرابع من مثل هذه الأعمال، فهذا يحتاج وحده إلى مجلد ضخم، يجب أن يؤلفه أحد نوابغ أركان حربنا العلماء، فلهم في هذا البحث نظر حديد، و رأي سديد رشيد.