الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ١٥٦ - في فلسطين
في فلسطين
تتمخض الأيام في كل عصر و حين، و تلد من النوابغ من يحلون جيد أمتهم و بلادهم، فيتجدد أو يزيد بهم رونقهما بهاء و رواء، و لكنها لا تجود في كل وقت و زمن بالنوابغ الأفراد الذين يدهشون زمانهم، و قد يمر الحين بعد الحين و لا تلد فردا منهم؛ و أعني بهؤلاء الأفراد: الذين امتازوا بالأعمال النادرة، أو وقفوا موقفا عظيما في حادث عظيم، أو رزقوا موهبة مدهشة مثل: أبي بكر في محنة الردة، و عمر في الفتوحات، و صلاح الدين في علو الهمة، و بونابرت في كبر النفس، و واشنطون في قيادة الجيوش، و لوثيروس في الثبات على المبدأ، و أنور و جمال في النهضة و الأعمال.
و من يجهل ذلك العمل العظيم الذي قام به أنور باشا و زملاؤه العظام من إحياء الدستور و تأييده، بل إحياء الأمة بأسرها و نهضتها، بل إحياء الإسلام كله، و من لا يعرف جهاده بنفسه و مفاداته بكل شيء في سبيل حياة الأمة و سعادتها فقد كادت لو لا نهضته النادرة تتلاشى، و تندمج في غيرها كما اندمج غيرها من الأمم و الشعوب الضعيفة.
إن عمل أنور باشا و زملائه لمن الآيات البينات، و الأعمال العظيمة النادرة التي طبقت الأرض شهرتها فهو و لا أبالغ من الأعمال الصديقية و الفاروقية و الصلاحية، و فوق عظمة أعمال نابليون و واشنطون، إذا لا حظنا الزمان و المكان فوجود أمثال هؤلاء الناس من النوادر الخوارق التي لا تسخو بها الأيام في كل وقت و حين.