الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ١٨٦ - في المدينة المنورة
يستعد من نفسه بما يليق بمقابلة سيفي الدولة العثمانية و مرجعي مجدها، فلم تكن عشية أو ضحاها حتى أصبحت المدينة لابسة ثوب بهاء، مجللة بستار من الزخرف، يتخلل أزقتها أقواس النصر المغشاة بالحرير الأحمر، ترفرف على أعاليها الأعلام العثمانية، فكنت أينما سرت و أنى توجهت تجد أثرا من الزينة، يقيم لك ألف دليل على مبلغ مكانة الرجلين العظيمين من القلوب، فقبضا على سويداواتها، و تصرفا في ظواهرها و بواطنها، فأصبح الكل رقيقا لهما، يقدم في محبتهما كل رخيص و غال.
فانتدب محافظ المدينة مدير الصحة جمال بك؛ ليكون مشرفا على ذلك، مساعدا للأهالي بترتيب زينتهم العظيمة التي لم يسبق لها منوال، و انضم إليه في ذلك بشير بك مدير شرطة المدينة، فكانا يعملان معا في المرور على سائر الأزقة و الشوارع فيجدان من همة سكان البلدة الطاهرة، و اعتنائهم بزائر الشفيع الأعظم، أحسن مساعد لهما، و أقوى عامل لم يحتاجا معهما إلى كثير تعب و كبير عناء، بيد أنهما قاما بترصيع الزينة و تدقيقها حتى كان يتصور الرائي أن المدينة إن هي إلا عروس تتهادى في حللها، و تختال في حليها و بهرجها.
و لم تحن ساعة الهناء من يوم الجمعة المبارك حتى هرع الناس إلى المحطة أفواجا، و خرج إليها الرجال زمرا، يهنئ بعضهم بعضا، متعاضدين متكاتفين، كأنما طرأ عليهم عامل جديد أوجد بينهم ذلك الاتحاد، فوفق بين وحدتهم و جمع شتيت كلمتهم، يتقدم الجمع أغوات الحرم الشريف بعبيدهم مدججين بالسلاح، تتقدمهم طاستهم تضرب بصوتها الجهوري، ثم حضرات خطباء الحرم النبوي الدائمون بآلاتهم، ثم حضرات مؤذني الحرم النبوي لابسين شاراتهم المخصوصة بالأذان، ينشدون الهمزية و البردة بأنغامهم الشهرية، فكنت