الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ١٤٢ - جاء في المقتبس بقلم أحد محرريه شقيقنا أحمد كرد علي إجلال الأبطال
الشورى البيضاء، فنهضوا جميعا نهضة الأسود من عرينها، فسلوا سيوفهم، و مزقوا حجب الاستبداد التي كانت متلبدة في سماء العثمانية، و قوضوا عروش الاستبداد، و دكوا صروح الجور، و زلزلوا طود الاعتساف، فخلصوا الأمة الإسلامية و الرعية العثمانية من براثن الظلم و مخالب العبودية، و شادوا معاقل العدل و حصون السلام، و أذاقوها لذة العدل و طعم المساواة.
إن أنور باشا هو ذلك البطل المقدام الذي كان- و لم يزل- يواصل ليله بنهاره في سبيل نصرة الدين و إحياء معالم الشريعة السمحاء و شعائر الديانة الإسلامية الغراء و حفظ بيضة الخلافة المحمدية و الممالك العثمانية.
مرّ على هذا البطل العظيم ردح من الزمن، و هو صارف قصارى جهده لإعلاء كلمة اللّه حتى جعلها هي العليا، و كلمة أعدائها السفلى، و ناهيك بالحرب الطرابلسية التي فارق بسببها راحته، و الحرب البلقانية التي كابد فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، و الحرب الضروس الحاضرة، و ما أظهره فيها مع إخوانه أبطال الدستور و حماة الدين و الوطن من خوارق العادات؛ حيث عادت فيها رءوس الدول المعادية، و لا سيما إنكلترا و فرنسا بخفي حنين، و آبت فيها تجارتهم بصفقة المغبون، فرلزوا أقدامهم و فوضوا صاصيهم و قلاعهم و دوارعهم و طياراتهم و أفنوا رجالهم، و أسكتوا مدافعهم، و فلوا جموعهم، و أعادوا بقية سيوفهم إلى حيث ... و اغتنموا عددهم، و رفعوا مجد الأمة الإسلامية في الأقطاب الأربعة بدفاعهم المجيد عن باب الخلافة المحمدية؛ بما أظهروه من الخوارق التي سطرها لهم التاريخ، بأحرف من نور على جبهة الدهور.