الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ١٨٨ - في المدينة المنورة
و بعد أن استراحا هنيهة قدم لهما في أثنائها شيخ الحرم سادات المدينة و أعيانها، ثم قرأ حضرته خطابا حيا به الوزيرين الكريمين، ثم تلاه المفتي بخطاب جمع من البلاغة ما يدل على حسن اقتدار، و حيث كان اليوم يوم جمعة، و قد أزف وقت الصلاة لم تتمكن من إلقاء الخطب التي كنا قد استعددنا لها و القصائد التي أنشئت تحية لقدومهما؛ بل اكتفينا بتقديمها درج كتب للزائر الكريم.
ثم بعد برهة صدر الأمر العالي بالتوجه للحرم الشريف، فخرج مدير الصحة جمال بك و بشير بك مدير الشرطة من باب المحطة، فأمرا مشايخ الطرق بالسير، فساروا ينشدون الأناشيد المطربة، مرتلين ذكر اللّه، يحملون الأعلام الشريفة، ثم مشى عبيد الأغوات يمينا و يسارا تتقدمهم الطاسة، ثم السادة الأغوات كذلك، ثم بعدهم أدلة الحرم الشريف، ثم المؤذنون، ثم الخطباء و الأئمة، ثم المفتي و سادات المدينة و أعيانها، ثم بقية الوفد السوري، و هم:
الشيخ أسعد الشقيري و السيد أبو الخير عابدين مفتي دمشق و مصطفى أفندي نجا مفتي بيروت و كامل أفندي الحسيني مفتي القدس و أديب أفندي تقي الدين نقيب السادة الأشراف في دمشق، يتقدمهم مولانا جلبي أفندي ثم فيصل بك المبجل، ثم صاحبا الدولة الوزيران الكريمان تعلوهما المهابة، و يحرسهما الجلال الإلهي قد ترديا برداء التواضع، واضعي أيديهما على صدورهما كهيئة الواقف الذليل بين يدي اللّه عز و جل، خاضعين لذلك الجلال المحمدي، و السر الأحمدي، ثم يتلوهما رجال الشرطة و الدرك، محافظين على النظام، ثم رجال الحرس، ثم بقية المتفرجين ممن لم ير الرائي في المدينة مثل عددهم اجتمع في محفل حافل، و بينهم ألوف مؤلفة من العرب و القبائل جاءوا للاحتفال بالقائدين العظيمين، يكفي القول بأن الفسيح الذي كان محتملا إياهم لدى وقوفهم بلغ