الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ٧٠ - ترحيب الإقبال بسيف الدولة القاطع و بدر سمائها الساطع الوزير الكبير و القائد الخطير «صاحب الدولة و المجد أنور باشا المعظم» وكيل القائد الأعظم و ناظر الحربية الجليلة زيد جلاله و دام اقباله
ترك البلاد العثمانية و ذهب إلى برلين عاصمة محالفتنا ألمانيا، فأكد أواصر المحبة و الوداد، و بذر بذور الاتفاق، فكانت له اليد الفعالة بإيجاد هذا الاتفاق الذي كان الحياة الكبرى للأمة الإسلامية في مشارق الأرض و مغاربها.
و لم يشعر دولة الزائر الكريم بتعدي أعداء الإنسانية على طرابلس الغرب حتى هجر مضجعه، و ذهب قاصدا هاتيك الأصقاع، و لقد كان لبيروت في ذلك الحين حظ من زيارته الخفية؛ حيث بات فيها ليلة واحدة و سافر إلى «برقة» فأخذ يعضد المجاهدين، و لبث بينهم زمنا غير يسير فعرف المسلمون في الأنحاء المغربية أن رجال الحكومة هم أليق الناس في الأمة لخدمة الإسلام و المسلمين، و لا يزال اسم «أنور باشا» محترما، لا يذكر إلا بكل تعظيم و تكريم.
انطلق من البلاد الإفريقية بحرها إلى الأصقاع الأوربية بقرها، فحارب في صفوف الجيوش العثمانية في الحرب البلقانية، و لما شعر بأن الضعف منشئوه من الشيوخ القابضين على زمام الحكم في الباب العالي قام بأمر الانقلاب الأخير، فأزال وزارة الذين كادوا يودون بدولة الإسلام و المسلمين إلى الدمار، ثم اندفع برجاله إلى بولاير فأوقف جيوش الأعداء- و زحف على أدرنة فاستردها، و تمكن بفضل سيفه و سياسته من حفظ كيان الدولة العثمانية، و أرجع إليها شيئا من السمعة التاريخية التي أضاعت قسما منها سوء سياسة تلك الوزارة.
تولى بعد هذا وزارة الحربية فأعارها اهتمامه و اعتناءه، و لم تمض مدة قليلة حتى أتم عددا كبيرا من المصانع الحربية و الاستعدادات العسكرية، و ما كاد يعلن قانون العسكرية الجديد الذي يجعل الأمة العثمانية دولة في مصاف الدول المنظورة حتى أعلنت الحرب العامة، و لو لا سيف زائرنا الكريم و سياسته لكانت الأمة العثمانية لا تعلم مستقرا لها في هذا العالم.