الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ٥ - المقدمة
نبغ هذا العظيم، و القوم نسوا- أو كادوا- مشخصاتهم، و صار أكثرهم إلى دركة من الانحطاط، يعدّ معها العلم وساوس، و الشجاعة تهورا، و النظر في المستقبل فضولا، و إعداد القوى للتغلب على الخصم من سوء فهم عقيدة القضاء و القدر، و ضعف النفس و الرضى بالدون و المذلة من الظرف و الأدب و حسن السياسة، و إقامة الشعائر الدينية من أمارات الجمود و عدم الأخذ بنصيب من المدنية الحديثة، و لكنه أدام اللّه توفيقه عمل عمل المستقل الفكر، القوي الإرادة، الواسع الأمل، فاستجاش أنصارا إلى مذهبه؛ حتى أجمعت القلوب على حبه، و أشربت النفوس احترامه، لكثرة ما تمّ على يديه من الأعمال المجيدة، و توفر جمهور المعجبين بنبوغه و عقله، و إخلاصه و رباطة جأشه، فنزع بالبرهان ما علق من الأوهام في الأذهان، و قوى القلوب الميتة، و نهض بالنفوس المستخذية المستكينة.
نعم، أثبت قائدنا المحبوب أمام العالم أجمع بالمثال الحي الفعال كيف يجب أن يكون في الإسلام الأبطال.
و بعد، فأي عمل نذكره له؟ أنذكر له الأحاديث المسلسلة في باب تفانيه منذ وعى على نفسه، في خلع ربقة الاستبداد، و إعادة حكم الشورى في هذه السلطنة؟ أو نورد له سفره إلى طرابلس الغرب قبل ارتقائه إلى منصة الوزارة، و تخليه عن أسباب الراحة، و افتراشه هناك الحجر و المدر، و التحافه العراء و قبة السماء، و اكتساءه غليظ الثياب، و تبلغه بميسور العيش من طعام و شراب؟ أو نستشهد له بجهاده البليغ في حرب البلقان، و كف عادية العدو عن استباحة حمى دار السلطنة و استرجاع أدرنة، و ما يرجع الفضل الأول إلا إليه في الإبقاء على هذه العاصمة عثمانية صرفة؟ أو نعدد له بيض أياديه في تنظيم الجيش