الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ١٥٩ - في فلسطين
بديع الصنع و جميل الهندسة إلى أن وصلا إلى منزل هرنك؛ حيث أعد المجلس البلدي لدولتهما مأدبة تليق بمقامهما.
و بعد الطعام ركبا إلى دار الحكومة، فكانت ألوف الخلق تحييهما على الجانبين، و هناك في البهو الكبير تصدرا بدرين منيرين، و أخذ قائد الموقع يقدم لهما و جهاء البلدة و أعيانها واحدا واحدا، فأبديا التفاتا خاصّا للخواجه فريديرك مراد الذي تبرع بأكثر أرض شارع جمال باشا و أرض جامع الجابي الجديد الذي أنشأه قائد الموقع باسمه.
ثم قدم لهما طبق من فضة عليه تمثال هرم كبير من الحلوى، فابتسما لمغزاه، و استل القائد خنجره، و قدمه لهما، فأخذ كل منهما قطعة منه، و أدير على الحاضرين، ثم نزلا إلى ساحة السراي، فأخذ المصورون رسم الحفلة، و أنشد الشيخ أحمد الطريفي بعض أبيات بصوت رخيم، ثم ركبا السيارات محفوفين باليمن و الإقبال، و وجتهما ببيت المقدس، فمرا أيضا تحت أقواس نصر أخرى جمعت خلاصة الفن و الأبهة.
و مما يذكر أن دولة أنور باشا تبرع بمبلغ لفقراء البلدة، و أنه أعجبه برتقال يافا الشهير، فأوقف سيارته أمام أحد البساتين في طريقه إلى القدس، و دخل مع دولة جمال باشا، و قطع بيده مقطفا من البرتقال، و نفح خادم البستان بضع ليرات عثمانية تلقاها هذا بالدعاء، و لا عجب بهذه الأخلاق الرضية و الجود و الكرم، فالعظيم عظيم في كل أمر.
و بينما كان أنور و جمال بيافا بين دقات القلوب سرورا، و ابتهاج النفوس فرحا كان أهل القدس منتشرين في جهة بزوغها إلى مكان مقرهما، مقر الجيش