الرحلة الأنورية إلي الأصقاع الحجازية والشامية - محمد كرد علي - الصفحة ١٠٧ - في دمشق
بطل بيض وجه العثمانيين عامة، و العرب خاصة في طرابلس الغرب، فأفهم الطليان أننا أمة لا تكون فريسة لكل مفترس؛ بل إن لوني رايتنا الأبيض الناصع و الأحمر القاني يدلان على ما انطوت عليه نفوسنا الشريفة من السلم و صفاء الود نحو من يصافينا و يؤاخينا، و إننا نار تسفك دم من ناصبنا العداء و تحرقه، تتهلل الفيحاء اليوم فرحا باستقبال فلذة من أفلاذ أكباد المسلمين، ناب عن خليفتهم في قيادة جيوشه فانكسر أعداء الإسلام الإنكليز و الفرنسيس و من لف لفهم كسرة على أبواب دار الخلافة لم ير مثلها تاريخهم، دبت على أثرها روح النهضة في العالم الإسلامي، و أيقنوا أن سيف الإسلام الذي كان ساكنا في غمده هو اليوم في قبضة رجال يحسنون الانتفاع منه، فيستعملونه أحسن استعمال في نحور من يريدون شرّا بالمسلمين عامة، و بدولة الخلافة خاصة.
هنا يعرض لنا سؤال يضطرنا المقام إلى طرحه على الأهلين: هل رأيتم- و ربكم- قبل اليوم ناظرا من نظار الدولة العلية و وكيلا من وكلاء الخليفة الأعظم يزور دياركم بقصد إسعادكم و النظر في شئونكم؟ بالأمس أوفدت الدولة العلية لنا- دام ملكها- مدى الدوران دولة أحمد جمال باشا ناظر البحرية الجليلة، و قائد الجيش السلطاني الرابع، و اليوم جاءنا صنوه دولة أنور باشا ناظر الحربية و وكيل رأس القواد الأعظم، فحري بنا في هذا المقام أن تثلج صدورنا، و أن ترتفع أصواتنا بالدعاء للخليفة الأعظم الذي اختار لإدارة شئوننا هذين البطلين الكريمين، و غيرهما ممن يحق للبلاد العثمانية أن تباهي بهم و تعتز ببقائهم.
كان يوم أمس يوما مشهودا في دمشق، قلما رأت دمشق نظيره، فلما ابتسم ثغر صباحه غادر الناس دورهم، مستقصين النبأ الصحيح عن ساعة وصول