بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ٢٠٧ - الوجه الثاني من اعجازه سورة نظمه العجيب و الأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب
حارت فيه عقولهم و تدلهت دونه أحلامهم و لم يهتدوا الى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم أو سجع أو رجز أو شعر و لهذا ما روي عن الوليد بن المغيرة و قد سئل عنه فقال و اللّه ما منكم أحد أعلم بالأشعار مني و اللّه ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا و قال عتبة بن ربيعة يا قوم قد علمتم انى لم اترك شيئا الا و قد علمته و قرأته و قلته و اللّه لقد سمعت قولا و اللّه ما سمعت مثله قط ما هو بالشعر و لا بالسحر و لا بالكهانة و نحوه ما روى في اسلام أبى ذر رضى اللّه عنه و قول أخيه أنيس له لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم و لقد وضعته على اقراء الشعر فلم يلتئم و ما يلتئم على لسان أحد بعدي انه شعر و انه لصادق و انهم لكاذبون و الأخبار في هذا صحيحة كثيرة و مع ذلك فقد كانوا أحرص شيء على معارضته و اخفاء ظهوره و اطفاء نوره لقيام التحدى فما جلوا في ذلك خبيئة من بنات شفاههم و لا أتوا بنطفة من معين مياههم مع طول الأمد و كثرة العدد و تظاهر الوالد و ما ولد بل أبلسوا فما نبسوا و منعوا فانقطعوا هذا و قد كانوا أعظم قرون الدنيا في الفصاحة و البلاغة و توابعهما و كان ذلك همتهم و قصاراهم فكانوا يجتمعون في مواسمهم و مجامعهم للتفاخر بالخطابة و الشعر و هذا كما قالوا ان اللّه سبحانه و تعالى لم يبعث رسولا الا جعل معجزته بحسب الفن الذي يعظمه أهل زمانه و بعث اللّه محمدا ٦ و حمله معارف العرب و علومها. اربعة. الخطب و الشعر. و الخبر. و الكهانة. فانزل اللّه عليه القرآن الخارق لهذه الاربعة فلم يهتدوا في المنظوم بمد الهمزة و هاء الضمير جمع آية (حارت) بالمهملة أي تحيرت (و تدلهت) باهمال الدال و تشديد اللام من التدله و هو ذهاب العقل من الهوي (و لا بالكهانة) بكسر الكاف و فتحها و هو نوع من أنواع السحر يزعم صاحبها معرفة ما سيحدث في مستقبل الزمان و يدعي معرفة الاسرار و أن له تابعا من الجن و رئيا يلقى إليه الاخبار و العراف من يزعم معرفة الامور باسباب يستند بها من كلام من سأله أو من فعله أو حاله كمن يدعى معرفة الشيء المسروق و مكان الضالة قاتل اللّه متعاطي ذلك و زاعمه (و نحوه ما روى) في الصحيحين و غيرهما (أنيس) بالنون و المهملة مصغر (اقرأ الشعر) بفتح الهمزة و الراء و سكون القاف و المد و هى طرق الشعر و أنواعه كما قاله الهروى (فما جلوا) بفتح الجيم و اللام أي ما أخرجوا (خبية) بالمعجمة فالموحدة فالتحتية المشددة فعلية بمعنى مفعولة (من بنات) جمع بنت بالباء فالنون فالفوقية (بنطفه) بالمهملة و الفاء أي شيء يسير و في بعض نسخ الشفاء بنقطة بالقاف بمعناه (من معين) بالمهملة بوزن عظيم و هو الماء الكثير الجاري (ابلسوا) بالموحدة يئسوا (فما نبسوا) بنون فموحدة تخفف و تشدد مفتوحتين فمهملة مضمومة قال الجوهرى يقال ما نبس بكلمة أي ما تكلم (و قصاراهم) بضم القاف و تخفيف المهملة أي غاية أمرهم (الخارق)