بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ٤١ - حديث الثلاثة الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك و توبتهم
قال كعب فلما سلمت على رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) قال رسول اللّه ٦ و هو يبرق وجهه من السرور أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قال أمن عندك يا رسول اللّه أم من عند اللّه قال لا بل من عند اللّه و كان رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) اذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر و كنا نعرف ذلك منه فلما جلست بين يديه قلت يا رسول اللّه ان من توبتى أن انخلع من مالى صدقة الى اللّه و الى رسوله قال رسول اللّه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك قلت فاني أمسك سهمى الذي بخيبر فقلت يا رسول اللّه ان اللّه إنما نجاني بالصدق و ان من توبتى ألا أحدث الا صدقا ما بقيت فو اللّه ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه اللّه في صدق الحديث احسن مما أبلانى و ما تعمدت مذ ذكرت ذلك لرسول اللّه ٦ الى يومي هذا كذبا و اني لأرجو أن يحفظني اللّه فيما بقيت و أنزل اللّه على رسوله لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ و لمسلم و كان كعب لا ينساها لطلحة (أبشر بخير يوم) أراد بخير ساعة فعبر باليوم لانه محل البشارة (أ من عندك يا رسول اللّه) أي بغير وحي بل بدلائل عرفت بها (ذلك منه) للكشميهني فيه أى في وجهه (انخلع) باعجام الخاء و اهمال العين أي أخرج منه و أتصدق به (من مالي) أراد من الارض و العقار فلا ينافي قوله فيما مر و اللّه ما أملك غيرهما يومئذ لانه أراد من الثياب و نحوها مما يخلع و يليق بالتبشير (صدقة) حال أو مصدر أو مفعول على تضمين انخلع معني اتصدق (أبلاه اللّه) أي أنعم عليه و البلاء الا بلاء يطلق على الشر و لا يقال في الخير الا مقيدا فمن ثم قال أحسن مما أبلاني (كذبا) و لمسلم كذبة بسكون المعجمة و كسرها (و أنزل اللّه على رسوله) و هو في بيت أم سلمة حين بقي الثلث الاخير من الليل كما نقله البغوي عن اسحاق ابن راشد عن الزهري (لَقَدْ تابَ اللَّهُ) أي تجاوز و صفح (عَلَى النَّبِيِ) انما افتتح الكلام به لانه كان سبب توبتهم (وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) الضمير لرسول اللّه ٦ (فِي ساعَةِ) أي وقت (الْعُسْرَةِ) أي الشدة (مِنْ بَعْدِ) متعلق باتبعوه (ما كادَ) أى قرب (يَزِيغُ) بالتحتية لحمزة و حفص و بالفوقية لغيرهم أي يميل الى التخلف و الانصراف (قُلُوبُ فَرِيقٍ) جماعة (مِنْهُمْ) هموا بالتخلف ثم نفروا (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ) قبل توبتهم و من قبل توبته لم يعذبه أبدا قاله ابن عباس (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وَ) تاب أيضا (عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) أرجئ أمرهم عن توبة أبي لبابة و أصحابه (حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ) أى برحبها (وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ) هما و غما (وَ ظَنُّوا) أي أيقنوا (أَنْ لا مَلْجَأَ) أي لا مفزع (مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) ليستقيموا على التوبة و يدوموا عليها (إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ) القابل توبة عباده (الرَّحِيمُ) بهم (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ) في اتيان أوامره و اجتناب نواهيه