بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ٢٨٣ - فصل في حسن عشرته
و يحذر الناس و يحترس منهم من غير ان يطوي عن أحد منهم بشره و لا خلقه و يعطى كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه ان أحدا أكرم عليه منه. من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف و من سأله حاجة لم يرده الا بها أو بميسور من القول قد وسع بسطه الناس و خلقه و صار لهم أبا و صاروا عنده في الحق سواء بهذا وصفه ابن أبى هالة قال و كان دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ و لا غليظ و بذلك وصفه ربه فقال فيما رحمة من اللّه لنت لهم و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك و قال تعالى ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ و كان ٦ يمازحهم و يخالطهم و يداعب صبيانهم و يجلسهم في حجره و يعود مرضاهم و يشهد موتاهم و يقبل عذر المعتذر منهم و يكنيهم و يدعوهم بأحب أسمائهم إليهم و يقبل هداياهم و يكافئ عليها و يجيب من دعاه الى طعام أو الى وليمة و يذهب إليها و كان يشيع مسافرهم و يودعهم و يوصيهم و يتلقى قادمهم و اذا قدم من سفر تلقى بصبيان أهل بيته فيتحملهم بين يديه و خلفه و كان يتحمل لأصحابه فضلا عن تحمله لاهله فاذا أراد أن يخرج إليهم نظر في الماء و المرآة و سوى شعره و عدل عمامته و يقول ان اللّه يحب من عبده اذا خرج الى اخوته ان يتهيأ إليهم و يتجمل و كان يتفقد أصحابه فمن خاف ان يكون وجد في نفسه شيئا قال لعل فلانا وجد علينا في شي أو رأى منا تقصير اذهبوا بنا إليه فينطلق الى منزله و كان ينزل الناس منازلهم فيكرم أهل الشرف من غير تقصير في حق غيرهم و كان لا يدع أحدا يمشى و لا يجلس خلفه و يقول خلوا ظهري للملائكة و لا يمد رجليه بينهم و يوسع عليهم اذا ضاق المكان و لا يقدم ركبتيه أمام ركبهم (و يحذر الناس) بفتح أوله و سكون ثانيه و فتح ثالثه (الشر) بكسر الموحدة و سكون المعجمة (لا يحسب) بالرفع و الضم (أكرم) بالرفع (قاربه) بالموحدة (هو المنصرف) بالفتح و هو صلة (الناس) بالنصب (بسطه و خلقه) بالرفع (سواء) بالنصب (ابن أبي هالة) اسمه هند كما مر (فيما رحمة من اللّه) أي فبرحمة و ما صلة (لنت لهم) أى سهلت اخلاقك لهم و احتملتهم و لم تسرع إليهم بالمعاقبة فيما كان منهم يوم أحد من الفرار (و لو كنت فظا) أي جافيا سيئ الخلق قليل الاحتمال (غليظ القلب) قاسيه (لانفضوا) أي لنفروا (من حولك) و تفرقوا عنك (في حجره) بفتح المهملة و كسرها (كان يتجمل) بالجيم (فضلا) أى زيادة (وجد) أى غضب (خلوا ظهري للملائكة) أخرجه ابن سعد عن جابر