بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ٢٨٠ - فصل و أما جوده و كرمه و سخاؤه و سماحته
حتى اسأل العالم ثم ذهب فأتى فقال يا محمد ان اللّه يأمرك أن تصل من قطعك و تعطى من حرمك و تعف عمن ظلمك و قال تعالى (وَ اصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) و قال تعالى (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) فغير خاف على من تأمل أحواله و أقواله و حققها معرفة أنه ٦ قد نزل من هذه الاخلاق منزله لا ترتقى و امتطى منها مطية لا تمطى و انه كان لا يستخفه كثرة الأذي و لا طيش الجهال و في بعض كلام عمر بن الخطاب الذي بكى به النبي ٦ بأبى أنت و أمي يا رسول اللّه لقد دعا نوح على قومه فقال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً و لو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا فلقد وطئ ظهرك و أدمى وجهك و كسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا فقلت اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون.
[فصل و أما جوده و كرمه و سخاؤه و سماحته ٦]
«فصل» و أما جوده و كرمه و سخاؤه و سماحته ٦ و بين هذه الألفاظ فروق لطيفة و يجمعها بذل المال على وجه التكرم و غير مدافع ان النبي ٦ بهذه الصيغة (حتى أسأل العالم) بكسر اللام يعنى اللّه عز و جل (وَ اصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ) من الاذى و هذه احدى الجمل الاربع التي أمر لقمان ابنه بها و هي اقامة الصلاة و الامر بالمعروف و النهي عن المنكر (فَإِنَّ ذلِكَ) المذكور و هى الخصال الاربع (مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أى من الامور التي يعزم عليها لوجوبها (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ) أي ذو و الحزم قاله ابن عباس أو ذو و الجد و الصبر قاله الضحاك و مر ذكر أولى العزم و الكاف في قوله كما هي لسبقية أصل الصبر بالصبر و الا فمقدار صبره ٦ لا يبلغه مقدار صبرهم أو معناه اصبر صبرا يناسب حالك كما صبر أولو العزم صبرا يناسب حالهم (فائدة) أخرج أبو الشيخ في مسنده عن عائشة قالت قال لى رسول اللّه ٦ يا عائشة ان الدنيا لا ينبغي لمحمد و لآل محمد يا عائشة ان اللّه لم يرض من أولى العزم الا بالصبر على مكروهها و الصبر عن محبوبها و لم يرض الا ان كلفني ما كلفهم فقال فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل و انى و اللّه ما يدمن طاعته و اللّه لأصبرن كما صبروا و اجهدن و لا حول و لا قوة الا باللّه (و امتطى) بهمز وصل و سكون الميم و فتح الفوقية و المهملة و الامتطاء الركوب على مطاء الدابة بفتح الميم فالمهملة أى ظهرها (رَبِّ لا تَذَرْ) أي لا تترك (دَيَّاراً) أي دائرا في الارض يذهب فيها و يجيء فيقال من الدوران و قال القتيبي أصله من الدار أي نازل دارا (مثلها) بالنصب (لهلكنا من عند آخرنا) كما هلك الذين دعا عليهم نوح من آخرهم (و طيء ظهرك) هذا مثل لمن يجترأ عليه و يهان و لعله أراد ما فعله عقبة بن أبي معيط من وضع السلا على رقبته.
(فصل) في جوده و كرمه و سخائه و سماحته (فروق لطيفة) فرق بها بعضهم فقال الكرم الانفاق بطيب النفس فيما يعظم خطره و نفعه و يسمى حرية و هو ضد الندالة و السخاء سهولة الانفاق و تجنب اكتساب