بهجة المحافل و بغية الأماثل - عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري - الصفحة ٢٠٩ - الوجه الثاني من اعجازه سورة نظمه العجيب و الأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب
من أخبار القرون السالفة و الأمم البائدة و الشرائع الدائرة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة الا الفذ من اخبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك و قد علم انه ٦ أمي لا يقرأ و لا يكتب و لا اشتغل بمدارسة و لا مثافنة و قد كان علماء الكتاب يقترحون عليه السؤالات فينزل الوحى باخبارهم كقصص الأنبياء مع قومهم و خبر موسى و الخضر و يوسف و اخوته و أصحاب الكهف و ذى القرنين و لقمان و ابنه و اشباه ذلك مما صدقه فيه علماء الكتاب و أذعنوا له و لم يحك عن أحد منهم مع شدة عداوتهم و حسدهم انه كذبه في شيء من ذلك و لا أظهر خلاف قوله من كتبه و لا أبدى صحيحا و لا سقيما من صحفه قال اللّه تعالى يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ الآيتين هذا تلخيص ما ذكره القاضي من الوجوه الاربعة مع تقديم و تأخير و زيادة في بعض الألفاظ و نقص من بعضها و ذكر هو و غيره وراء ذلك من براهينه و آياته و بركاته وجوها (منها) ان اللّه سبحانه حافظه من التحريف و التبديل و التغيير و الزيادة و النقص على تطاول الدهور و انقضاء الفصول و كثرة الحاسد و المعاند قال اللّه تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ و قال لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (و منها) الروعة التي تعترى سامعيه من الابرار و الفجار فاما الفاجر فيستثقله خصه مع ان له معجزات كثيرة أخر لانه أعظم المعجزات و لبقائه بعده ٦ (الا الفذ) بفتح الفاء و تشديد المعجمة أى الفرد الواحد (و لا مثافنة) بالمثلثة قبل الالف و النون بعد الفاء قال الجوهرى يقال ثافن فلانا أي جالسه و يقال اشتقاقه من الثفنة واحده ثفنات بالقصر و هي ما يقع على الارض من اعضائه اذا استناخ كالركبتين كانك الصقت ثفنة ركبتك بثفنة ركبته (و ابنه) أى ابن لقمان و اسمه أنعم أو مسكم قولان (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) يعنى القرآن (وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) قال بعض العلماء تولى اللّه عز و جل حفظ كتاب نبيه محمد ٦ بنفسه فلم يجد المعاندون سبيلا الي تحريفه و لا تبديله و سائر الأنبياء استحفظوا كتبهم كما قال اللّه تعالي بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ و شأن المخلوق العجز فمن ثم وصل إليها التحريف و التبديل (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ) أى الشيطان قاله قتادة و السدي (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ) أي لا يستطيع أن يغيره و لا ان يزيد فيه و لا ينقص قال الزجاج انه محفوظ من النقص فيأتيه الباطل من بين يديه و من الزيادة فيه فيأتيه الباطل من خلفه و قال مقاتل لا يأتيه تكذيب من الكتب السالفة و لا يأتى بعده