أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٨٩٢ - أحمد ابن الخوجة
أما بعد فانّ شريعتنا الغراء قد رصّع اللّه بمصالح العباد تاجها و أوضح بها لمكارم الأخلاق منهاجها* و من فضله عزّ اسمه العميم و نائله العتيد* ان كلّياتها إجمالا و تفصيلا تصيب كلّ غرض قريب و بعيد* فليس فيها بمنّة اللّه سائبة* للأنظار الصحيحة و الأفهام الصائبة* و ممّن اهتدى بمنارها* و عشا إلى ضوء نارها* و انتصب لحماية ذمارها [٢]* العالم الفاضل الماجد أمير الأمراء السيّد خير الدّين.
فهذا كتابه أقوم المسالك شاهد عدل له على امتداد الباع وسعة الذراع* و حسن الاقتدار على ربط السياسة المدنية بالشرع* كتاب ضرب في الإبداع بسهم مصيب* و نزع ناظم عقوده المتناسقة المنزع الحسن الغريب* خامر الألباب بسلاف البيان* و طبق المفصّل في تنزيل البرهان على حوادث الزمان* أوضح رسوم الإفادة و سبق في مضمار الإحادة* و كشفت عن أسارير الحقائق قريحة مؤلّفه الوقّادة* محض فيه صفو نصّه* و سفر عن محاسن صبحه* و شعشع المعارف بتحريره وروقها، و بقلائد الذكر الجميل طوقها* أسمت سرح اللحظ في [٤٤] مقدّماته فإذا هي بديهية الانتاج* صحيحة الاحتجاج* بحيث تتأكّدذ إليه الحاجة لا سيّما حين زلّت الأحلام* و ولّت شبيبة الإسلام* بعد أن مدّ على مراكز النجوم أطنابه* و اناخ بساحة العزّة القعساء ركابه* سكن اللّه زلزاله* و بلغه في أنصاره آماله* و لا سيّما و الحربيّ اليوم قد كاثرت الحصباء جموعه* وراع القلوب مرئيه و مسموعه* بما أبداه من الآلات المخترعة* و تنويع المكائد «و الحرب خدعة» [٣]* فلا جرم ان مكافحته تفتقر إلى النسج على منواله* و مسابقته في مجال احتياله* و هذا انّما يجتنى* من دوحة الغنى* فتوفير المال* ظهير لبلوغ الآمال، و به تذبّ عن بيضة الإصلام حماتها* و تدافع عن حوزته كماتها [٤]* و هو بمزاولة
[٢] ذمار: كل ما يلزمك حمايته و الدفاع عنه- الحرم- الأهل- العرض.
[٣] حديث نبوي شريف.
[٤] كمّي ج. كماة: المدجّج بالسلاح.