أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٨٤١ - الخاتمة
المورودة، و العزائم المشدودة، و المآثر المعدودة، و الكعبة المقصودة* و الآراء المنضودة، كيف لا و قد حضّ على ما أمر اللّه به* و حثّ على ما يجب التمسّك بسببه* و انهض عزائم علماء الإسلام* لنشر ما أودعوه في صدورهم من العلوم و الأحكام، مع علمهم ان لا مساغ لكتمانها عند ذوي الأحلام* و الرسول يقول «من كتم علما ألجمه اللّه من النار بلجام» [٥]* وبيّ المهيع [٦] الذي به تحصل الاستقامة* و أوضح المنهج المسلوك لطرق السلامة* من ترك التضييق المفضى إلى المفسدة التي هي ضدّ المقصود من الشريعة [٧]* و اعمال الجهد في استخراج أحكام المصالح من أسرارها البديعة* بما لا يقال فيه ابتداع* خارج عن حكم الإجماع* و إنّما هو تطبيق للكائنات على كلّياتها* و استحصال للمصالح التي هي أعظم مهمّاتها.
فلو رأته العلماء الحنفية* لأعلنوا أن لا مقصد لهم سوى ذلك بالحيل الشرعية* و دليل ذلك ما بيّنوه في اساغة البيوع الوفائية، و عضدتهم على ذلك معاشر المالكية* و قال ترجمانهم الشاطبي (٧ م.) «هذا الذي عنيته من استصحاب المصالح المرسلة و في موافقاتي طويته»* إذا الشريعة لا محالة باقية* و لأصولها واقية* و قد جرت عادة اللّه في عباده* باختلاف عوائدهم و منافعهم على حسب مشيئته و مراده* فلزم أن تكون أحكام كلّ جيل على قد استعداده [١٢]* و هي الحكمة البالغة في نسخ الشرائع* و بقاء خاتمتها لاشتمالها على كلّ حكم على ممرّ الدهور شائع.
[٥] حديث نبوي شريف.
[٦] المهيع: الطريق الواسعة من هاع يهيع أو يهاع انبسط على وجه الأرض.
[٧] فان هذه العبارة «من ترك التضييق المفضي إلى المفسدة التي هي ضد المقصود من الشريعة مستمدّة ممّا ورد برسالة بيرم الأوّل «فيضيّقون ما وسّعه اللّه عليهم».
أنظر المقدمة طبعتنا، ١٧٨.
(٧ م.) الشاطبي أبو اسحاق ابراهيم، من أشهر علماء الأندلس، عالم بالأصول و التفسير و الفقه و الحديث و اللغة. من تأليفه «الاعتصام» و «الموافقات». توفّي سنة ٧٩٠ ه/ ١٣٨٨ م.