أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٨٧٠ - الخاتمة
و قد ثبت هذا التاريخ و انشاؤه لصاحب القلم الفصيح* و التقرير المحرّر الصريح الصحيح* البارع الأجل* و الحجّة الحافظ لكلّ نادرة و مثل* تاج الزمان و إكليله* و المقصور عليه سياسته و تأصيله* الجامع من المحاسن ما تكلّ عن حصرها الأقلام* و لا يفي بعدّها ذوو العقول و الأفهام* مع الأخلاق البهيّة* و المكارم الجليّة* فخر الدولة الحسينية* و نخبة الحضرة التونسية المعتمد في تقرير نصائحه على مالك يوم الدين* الهمام الأفخم أمير الأمراء سيّدي خير الدّين* كان اللّه له و أثابه فيما أسّسه و عمله.
فتاقت النفس إلى رؤياه* و النظر فيما حواه* من الفوائد الرائقة و معناه* فسعيت في تحصيله جهدي* و أن أجعله وظيفتي و وردي* و اتّخذه عدّتي و جندي.
فلمّا ظفرت به بالإهداء من نجباء أحبابي* و ممّن اصطفيته و انتخبته من أصحابي* و اتصلت به اتّصال المحبّ بمحبوبه* و الراغب [٢٩] بمرغوبه* انكببت على النظر فيه* و أمعنت فكري فيما يحويه* فإذا هو ذلك التاريخ الذي لا تاريخ يحاكيه* و لا تأليف في حال الوقت يدانيه* و ان شئت قلت فيه هو صوان الحكمة أو قوانين التربية و التعليم أو خلاصة زبدة السياسة و الرئاسة بل و من أي جهة من المعارف قصدته وجدته فيه بحرا زاخرا، مدد موج معانيه لا ينتهي* و درر لججه العميقة لا تنفد و لا تنقضي* كيف لا و هو لبّ اللباب* حكمة و بلاغة يقصر عن الوصول إليها أولو الألباب* مع النصائح الحكمية* المعضودة بالأدلّة الشرعية* و النصوص الأصلية و الفرعية* تتوصّل إلى إدراكها العقول السليمة* و الطباع المستقيمة* بيد أنها نصيحة كبرى لأهل الإسلام* و فرض استقلّ بالقيام به وحده دون سائر الأنام* و حقّ على من ثافنه [٢]* و وصل إلى تحقيق معناه و مراده* ان يبادر بالعمل بما فيه ليعد من أبناء آدم و أولاده* و انه لما يجب العمل به إلى أهل الإسلام* الخاص منهم و العام* إذ بمثله يعمل العاملون* و يتبصّر المتبصّرون.
[٢] ثافن: لازم الشيء حتّى عرف دخلته.