أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٨٩٧ - محمود قابادو
ثمّ إذا عطف أعنّة النظر إلى الممالك؛ الإسلامية و تقرّاها* و جاس خلال مدنها و قراها* و تبيّن ما منيت به من تزايد الغمرات* و تناقص الأموال و الأنفس و الثمرات* لا يتمارى في أن حورها بعد الكور [١٤]* و ارتدادها عن النجد في حافرة الغور* ليس إلّا لعدم رعاية الحقوق العامّة حقّ الرعاية* و فشل الحميّة بالتنازع المفضي إلى ذهاب ريح الحماية* فكأنّها مسارح جياد ركبت ارسانها [١٥]* و الفت مرحها و استنانها* لا تكاد تسمح لرعاتها* و التخلّي عن مألوفاتها* فهي مفتقرة إلى تدبير سياسي* في تزليف ايناسي* يلهب حميّتها إلى مساعفة الراضة [١٦]* و يهب اريحيتها* إلى مساهمة الأمّة المرتضاة.
و بينا ذلك دين على الأيام تماطل بإنجازه* و تعلّل عن حقيقته بمجازه* إذ انتدب لتوفيته ابن احداها* الخبير بلحمة السياسة و سدادها، المدره [١٧] المماحل [١٨] الذي فعله للقبه خدين* الهمام الحلاحل [١٩]* السيد خير الدّين* فإنّه لمّا قتلها خبرة* و تعمّقها سبرة* جلا أناسي عيونها* و معالم سهولها و حزونها* في مؤلّف مهذّب* هو عذيقها المرجب [٢٠]* و سمه بزقوم المسالك، في معرفة أحوال الممالك.
[١٤] الحور بعد الكور: النقصان بعد الزيادة (من حار وكار).
[١٥] ارسان ج. رسن: حبل يوضع حول رأس الدابة.
[١٦] الراضة ك. رائض: من راض يروض: ذلل الصعاب.
[١٧] المدره: السيد و زعيم القوم.
[١٨] المماحل: اللبق و الحذق.
[١٩] الحلاحل: الشجاع.
[٢٠] عذيقها المرجب: اقتباس من مثل: «انا جذيلها المحكك و عذيقها المرجب»: و الجذيل تصغير للجذل و هو أصل الشجرة، و العذيق تصغير للعذق و هو نخلة، و المرجب ما جعل له رجبة و هي دعامة تبنى حولها من الأحجار و ذلك إذا كانت النخلة كريمة و طالت فتخوف عليها ان تسقطها الرياح و التصغير هنا بمعنى التعظيم و المثل يطلق على من يستشفى برأيه و عقله.