أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك - خير الدين التونسي - الصفحة ٨٦١ - الخاتمة
و وقفوا عند حدودها المحدوده* صلاة و سلاما دائمين نجدهما من الأعمال المقبولة لا المردوده.
و بعد فإنّ من أجل العلوم* لا سيّما في هذا الوقت الصعب المذموم* علم السياسة الشرعية* المنوط بقواعد الشريعة الزكيّة و أصولها المرعيّة* و ذلك لما آل إليه أمر هذا الزمان* من اختصاص شؤون الحروب بالأفكار و الأذهان* حتّى انّ ما يرى من مخترع الآلات* إنّما المقصد به إرهاب الضدّ فهو إذا ضرب من السياسات* فلذلك لا يرى مستعملا فيما وضع له إلّا قليلا* بتقصير احد الضدّين في سياسته فيوجد على نفسه سبيلا* و ان من أحفل ما صنّف فيه، و رمقه بعين الرضى الخامل و النبيه. كتاب أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك* تأليف جناب فخر الوزراء ذى الرأي الرصين* أمير الأمراء سيّدي خير الدّين.
فإنّه كتاب أبان فيه مؤلّفه عن باع في السياسة مديد* و رأي بذّ به جمع الآراء و هو فريد* حيث نهج فيه لسياسة الوقت الصعبة طريقا، يأمن السالك به من المخاوف و ان لم يصحب رفيقا* و ذلك بمراعاة حال الوقت من غير خروج عن حدود الشريعة* و ما تقتضيه أصولها و لا تنافيه فروعها البديعة و شرح فيه حال الأجنبي و ما له من التراتيب و السير* التي أنتجت له الطوة المشاهدة و الظفر* حتّى ان الناظر فيه* المتأمّل فيما يحويه* كأنّه يشاهد على [٢٣] التفصيل حال الغير* بدون ضرب في الأرض و لا سيره* كلّ ذلك ليتنبّه من كان من أولى الأبصار بأحوال الوقت جاهلا* و يتبصّر في الطرق التي بها على التدريج نبّه من كان خاملا* عسى أن تجتمع للإسلام كلّمته* فتعود إليه شوكته و سطوته.
هذا إلى ما ضمّنه من تعريف الأجانب بحال شريعتنا* المبرأة ممّا كانوا ينسبونه إليها من سوء سيرتنا* و لا شكّ أنّ هذا الاعتقاد ما دام مركوزا في أذهانهم* يحملهم على اهتضامها و المبالغة في صدّ من يريد الدخول فيها من أهل أديانهم.