المغرب في حلى المغرب - علي بن موسى بن محمّد بن عبد الملك بن سعيد الغرناطي الأندلسي - الصفحة ٣١ - السلك القرشيون من كتاب رغد العيش في حلى قريش
ملهج لسانها ، وحلّ من عينها مكان إنسانها ، وكان له مع أبي الوليد ابن جهور تآلف أحرما بكعبته وطافا ، وسقياه من تصافيهما نطافا ، وكان يعتدّ ذلك حساما مسلولا ، ويظن أنه يردّ به صعب الخطوب ذلولا ، إلى أن وقع له طلب أصاره إلى الاعتقال ، وقصره عن الوخد والإرقال ، فاستشفع بأبي الوليد وتوسّل ، واستدفع به تلك الأسنّة المشرعة والأسل ، فما ثنى إليه عنان عطفه ، ولا كفّ عنه فنون صرفه ، فتحيّل لنفسه ، حتى تسلّل من حبسه ، ففرّ فرار الخائف ، وسرى إلى إشبيلية [١] سرى الخيال الطائف ، فوافاها غلسا قبل الإسراج والإلجام ، ونجا إليها برأس طمرّ ولجام ، فهشّت له الدولة ، وباهت به الجملة ، فأحمد قراره ، وأرهفت النكبة غراره. وحصل عند المعتضد بالله بن عباد ، كالسويداء من الفؤاد ، واستخلصه استخلاص المعتصم لابن أبي دؤاد ، وألقى بيديه مقاد ملكه وزمامه ، واستكفى به نقضه وإبرامه ، فأشرقت شمسه وأنارت ، وأنجدت محاسنه وغارت ، وما زال يلتحف بخطوته ، ويقف بربوته ، حتى أدركه حمامه ، ولقي السّرار تمامه ، فأخبى منه شهبا طالعة ، وزهرة يانعة ، وقد أثبت من مقاله ، في سراحه واعتقاله ، ومقامه وانتقاله ، ما هو أرقّ من النسيم ، وأشرق من المحيّا الوسيم ، من ذلك قوله متغزلا [٢] :
| يا قمرا أطلعه [٣] المغرب | قد ضاق بي في حبّك المذهب | |
| ألزمتني الذنب الذي جئته | صدقت! فاصفح أيّها المذنب | |
| وإنّ من أغرب ما مرّ بي | أنّ عذابي فيك مستعذب |
ورحل عنه من كان يهواه ، وفاجأه ببينه ونواه ، فسايره قليلا وما شاه ، وهو يتوهم ألم الفرقة حتى غشّاه ، واستعجل الوداع ، وفي كبده ما فيها من الانصداع ، وأقام يومه بحالة المفجوع ، وبات ليله منافر الهجوع ، يردّد الفكر ، ويجدّد الذكر ، فقال [الرمل][٤] :
| ودّع الصّبر محبّ ودّعك | ذائع من سرّه ما استودعك | |
| يقرع السّنّ على أن لم يكن | زاد في تلك الخطا إذ شيّعك | |
| يا أخا البدر سناء وسنا | حفظ الله زمانا أطلعك | |
| إن يطل بعدك [٥] ليلي فلكم | بتّ أشكو قصر الليل معك |
[١] إشبيلية : مدينة في الأندلس ، فتحها العرب وانتزعها منهم فرديناند. المنجد في اللغة والأعلام (ج ٢ / ص ٤٨).
[٢] الأبيات في الديوان (ص ٢٦٩) طبع الحلبي.
[٣] في الديوان : مطلعه.
[٤] الأبيات في نفح الطيب (ج ٥ / ص ٣٤١) وفي الديوان (طبعة علي عبد العظيم). وفي الأدب الأندلسي والمغربي (ص ١٢٧).
[٥] في الديوان : إن يطل ليلك بعدي.