المغرب في حلى المغرب - علي بن موسى بن محمّد بن عبد الملك بن سعيد الغرناطي الأندلسي - الصفحة ١٢٣ - التاج
معترض. وكان شهما ، صارما ، وكلّ من ذكرنا من أجداده فليس منهم من تسمى بإمرة المؤمنين ، ولم يتعدّوا في الخطبة الإمارة. وجرى على ذلك عبد الرحمن إلى آخر السنة السابعة عشرة من ولايته ، فلما بلغه ضعف الخلافة في العراق أيام المقتدر وظهور الشيعة بالقيروان [١] تسمّى بأمير المؤمنين وتلقّب بالناصر [٢] ولم يزل منذ ولي يستنزل المتغلّبين حتى استكمل إنزال جميعهم في خمس وعشرين سنة من ولايته ، وصار جميع أقطار الأندلس في طاعته.
ومن المسهب : إنما تسمى بأمير المؤمنين حين بلغه أن المقتدر خطب له بالخلافة وهو دون البلوغ. ولما قتل المطرف بن عبد الله أخاه محمد بن عبد الله ، قتله به أبوه ، وقد قيل إن أباهما قتل الاثنين. وخلا الجو لعبد الرحمن ، وملك قلب جدّه بحسن خدمته ، وكل ما يعلم أنه يوافق غرضه ، فتقدّم بعد حده في مستهل ربيع الأول سنة ثلاثمائة ، فقال ابن عبد ربّه صاحب العقد :
| بدا الهلال جديدا | والملك غضّ جديد | |
| يا نعمة الله زيدي | إن كان فيك مزيد |
وصرّف من الآراء والحيل في الثوار الذين اضطرمت بهم الأندلس ما يطول ذكره ، حتى صفت له الجزيرة.
قال : وأعانه على ذلك المعرفة باصطفاء الرجال واستمالة أهوائهم بالمواعيد وبذل الأموال مع طول المدة وهبوب ريح السعادة ، وقد شبهوه بالمعتضد العباسي في تلافي الدولة ، وكان يده في استنزال العضاة القائد أبا العباس ابن أبي عبده ، وبقي في السّلطنة خمسين سنة وستة أشهر وثلاثة أيام.
قال ابن غالب [٣] : وجد بخطّه : أيام السرور التي صفت له في هذه المدة الطويلة يوم كذا ويوم كذا ، فكانت أربعة عشر يوما. وكانت وفاته ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من رمضان سنة خمسين وثلاثمائة. وكان مشغوفا بتضخيم البنيان والسّلطنة والجند. وقسّم أموال جبايته على ثلاثة : قسم للجند والحروب ، وقسم للبنيان ، وقسم ينفق منه في غير هذين من المصالح ، ويخزن
[١] القيروان : مدينة في تونس. أنشأها عقبة بن نافع سنة ٦٧٠ ه ، عاصمة الأغالبة والفاطميين إلى جانب المهدية ، شهيرة بمسجدها. المنجد في اللغة والأعلام (ج ٢ / ص ٥٥٩).
[٢] هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد ، المعروف بالناصر لدين الله ، وقد حكم الأندلس خمسين سنة «٣٠٠ ـ ٣٥٠ ه» الحلة السيراء (ج ١ / ص ١٩٧) والبيان المغرب (ج ٢ / ص ١٥٦) ونفح الطيب (ج ١ / ص ٣٣٩).
[٣] هو أبو عبد الله محمد بن غالب البلنسي الكاتب الوزير المتوفى سنة ٧٦٧ ه. وله كتاب : «فرحة الأنفس في فضلاء العمى من أهل الأندلس كشف الظنون (ج ٤ / ص ١٨٦).