ابتداء دولة المغول وخروج جنكيز خان - الشّيرازيّ الشّافعيّ، محمود - الصفحة ٩١ - الصفحة الاخيرة من النسخة المعتمدة
[سنة ست وخمسين وست مئة هجرية]
أول جمع وصل بغداد وواجه جيشها كان الأمراء بوقاتمور وبايجو نوئين وسونجاق نوئين - ونوئين[٢٢٨] تعني باللغة المغولية الأمير- وكان مع كلّ واحد من هؤلاء الأمراء جيش يضم ما بين عشـرة آلاف وخمسة عـشر ألف مقاتل[٢٢٩]، فوصلوا إلى مشارف بغداد عند الحَربيّة[٢٣٠].
خرج جيش الخليفة الَّذي كان يقوده مجاهد أيبك[٢٣١]الدواتدار المسمّى الدواتدار
[٢٢٨] تُكتب (نويان) أيضاً.
[٢٢٩] ذكر رشيد الدِّين (جامع التواريخ، ٢/٧٠٩)، وصول هؤلاء القادة الثلاثة إلى محلَّة الحربيَّة لكنّه لم يذكر أعداد الجنود الَّذين كانوا معهم.
[٢٣٠] الحربية محلَّة كبيرة ببغداد كانت تُدعى رَبَضَ حَرْب كما قال ياقوت في معجم البلدان، ٢/٧٥٠، الَّذي أتمَّ تسويده سنة ٦٢١هـ، وأضاف: وخرب جميع ما كان يجاور الحربية من المحالّ وبقيت وحدها كالبلدة المفردة في وسط الصحراء، فعمل عليها أهلها سوراً وجيَّروها، وبها أسواق من كلِّ شيء، ولها جامع تقام فيه الخطبة والجمعة، وبينها وبين بغداد اليوم نحو ميلين (المصدر نفسه، ٢/٢٣٤)، وكان معظم سكان الحربية أولاً من الفُرس والتُّرك والمهاجرين إلى بغداد بمعيَّة العبَّاسيِّين، ثُمَّ سكَنتها الحنابلة في عصور الدولة العَبَّاسِيَّة الأخيرة (جواد وسوسة، دليل خارطة بغداد المفصل، ٩٤)؛ قال ابن خلكان (وفيات الأعيان، ١/٦٥): وقبر أحمد بن حنبل مشهور بها يُزار .
[٢٣١] في الأصل: ببكرز. ولا معنى لها. وهو مجاهد الدين أبو الميامن أيبك بن عبد الله المستنصـريّ الجركسيّ الحَنْبَلِيّ المعروف بالدويدار الصغير (٥٧٦ - ٦٥٦هـ)، القائد العام للقوات المسلَّحة العَبَّاسِيَّة، وكان هو الحاكم الحقيقيّ للعراق آنذاك وليس المستعصم بالله، بل إنَّه أراد خلعه في سنة ٦٥٤هـ، ففي تلك السنة امتدت أيدي جمع من العيَّارين والشُّطَّار والغوغاء والأوباش بالاعتداء على الناس، فكانوا يسلبون كلَّ يوم جمعاً من خلق الله الأبرياء؛ وكان مجاهد الدين أيبك الدواتدار يحمي أولئك الغوغائيين والأوباش، حتى أصبح في مدَّة قصيرة صاحب شوكة ونفوذ. ولمّا رأى نفسه قوياً والخليفةَ المستعصم عديم الرأي والتدبير وساذجاً، اتفق مع جمع من الأعيان على خلعه... ، لكن الوزير ابن العَلْقَمِيّ أحسَّ بتلك الدسيسة فأخبر الخليفة بها (رشيد الدِّين، جامع التواريخ، ٢/٦٩٨)، ممَّا أدى إلى توتر العلاقة بين الرجلين، وأدى من ثمّ إلى أن ينبري الدويدار الصغير إلى معارضة ابن العَلْقَمِيّ حتى في الأمور الخطيرة الخاصة بأمن الدولة؛ فعندما نصَحَ الوزيرُ ابنُ العَلْقَمِيّ الخليفة أن يرسل وفداً محمَّلاً بالهدايا إلى هُولاكُو لفتح باب التفاوض كي ينصرف عن بغداد، أحبط الدويدار تلك المحاولة، يقول الذَّهَبيّ: في سنة ٦٥٥هـ سار هُولاكُو من همذان قاصداً بغداد ، فأشار ابن العَلْقَمِيّ الوزير على الخليفة ببذل الأموال والتحف النفيسة إليه ، فثناه عن ذلك الدويدار وغيره، وقالوا: غرض الوزير إصلاح حاله مع هُولاكُو . فأصغى إليهم وبعث هدية قليلة مع عبد الله ابن الجوزي، فتنمَّرَ هُولاكُو (تاريخ الإسلام، ٤٨/٣٢). ثُمَّ بعث الدويدار بمَن أشاع أنّ الغوغاء سيهاجمون أعضاء الوفد المتوجِّه إلى هُولاكُو ويذيقونهم أبشع أنواع العذاب، وسينهبون الهدايا التي سيبعث بها الخليفة لهولاكو إنْ هو أَقْدَمَ على ذلك (انظر: رشيد الدِّين، جامع التواريخ، ٢/٧٠٢)، ممّا أخافَ الخليفة فلم يرسل ذلك الوفد، وظلَّ هولاكو يتقدم نحو بغداد حتو وصلها وطوَّقها؛ وكان عداء الدويدار الصغير للوزير ابن العَلْقَمِيّ جارفاً إلى درجة أنّ أتباعه من غوغاء المدينة وأوباشها كانوا يذيعون بين الناس أنّ الوزير متفق مع هُولاكُو خان وأنّه يريد نصـرتَه وخذلانَ الخليفة (رشيد الدِّين، جامع التواريخ، ٢/٧٠٢ - ٧٠٤)؛ انظر تفاصيل مهمة عن حياته وأدواره السياسية والعسكرية في كتابنا إعادة كتابة التاريخ (٤٨ - ٥٠، ١١٠ - ١١١، ١٢٢).