ابتداء دولة المغول وخروج جنكيز خان - الشّيرازيّ الشّافعيّ، محمود - الصفحة ٩٧ - الصفحة الاخيرة من النسخة المعتمدة
وحين خرج جيش بغداد منها[٢٤١]، خرج معه عدد لايُحصـى من السُّكَّان المدنيين متصوِّرين أنّهم إن غادروا فسيكونون بأمانٍ، وأنّ بقاءهم في المدينة أسوأ لهم من مغادرتها، بينما كان ما حدث هو خلاف ذلك، حيث سلم مَن كان قد اختبأ في الشقوق والحفر ومواقد الحَمَّامات والآبار داخل المدينة، أمّا مَن خرجوا منها فقد تمَّ تقسيمهم على مجاميع تضمُّ العشرة آلاف أو الألف والمئة والعشرة وقُتِلوا جميعاً[٢٤٢].
[٢٤١] عرَّفنا باليرليغ والپايزة في قائمة بالكلمات المغولية... .كان هُولاكُو ينوي التوجُّه - بعد احتلاله العراق - إلى بلاد الشام، ولذا فقد خدع هذين القائدينِ العباسيينِ بأنّهما إنْ أقنعا من بقيَ من جنودهما بالمجيء معهما فإنّه سيأخذهم معه جنوداً مرتزقة يستعين بهم على فتح بلاد الشام ومصر، فذهبا إلى المدينة وجَلَبا من قدرا على جَلْبِه من جنودهما - وكانوا خلقاً لا يُحصـى جاؤوا على أمل الخلاص - فقسَّمهم المغولُ ألوفاً ومئاتٍ وعشـرات وقَتَلوهم بأسرهم. وكان مع سليمان شاه ٧٠٠ شخص من أقاربه؛ فأمر هُولاكُو بقتله وقتل جميع أقاربه، كما قَتَلَ الدويدارَ الصغير (انظر: رشيد الدِّين، جامع التواريخ، ٢/٧١١ - ٧١٢).
[٢٤٢] نقرأ في كتاب الحوادث (ص ٣٥٩ - ٣٦٠) (وروايته رواية بغدادية أصيلة تستند إلى شهود عيان)، صورة مرعبة لِما حدث: وأُحرق معظم البلد وجامع الخليفة وما يجاوره واستولى الخراب على البلد. وكانت القتلى في الدروب والأسواق كالتلول، ووقعت الأمطار عليهم ووطئتهم الخيول، فاستحالت صورهم وصاروا عبرة لمَن يرى. ثُمَّ نودي بالأمان فخرج من تخلَّف وقد تغيرت ألوانهم وذهلت عقولهم لِما شاهدوا من الأهوال التي لا يُعبَّر عنها بلسان وهم كالموتى إذا خرجوا من القبور يوم النشور، من الخوف والجوع والبرد...، وقيل إنّ عِدَّة القتلى ببغداد زادت عن ثمان مئة ألف نفس، عدا مَن أُلقي من الأطفال في الوحول ومَن هلك في القَنا والآبار وسراديب الموتى جوعاً وخوفاً. ووقع الوباء فيمَن تخلّف بعد القتل من شمِّ روائح القتلى وشرب الماء الممتزج في الجيف. وكان الناس يكثرون من شمِّ البصل لقوة الجيفة وكثرة الذباب، فإنّه ملأ الفضاء وكان يسقط على المطعومات فيفسدها .