ابتداء دولة المغول وخروج جنكيز خان - الشّيرازيّ الشّافعيّ، محمود - الصفحة ٢٨ - موسوعية قُطْب الدِّين الشِّيرازيّ
وننقل فيما يأتي كلام قُطْب الدِّين في مقدمة شرحه لكتاب القانون لابن سينا، الَّذي سمَّاه التحفة السعدية، وسَرَدَ فيه سيرته الذاتية مع ذِكره أسماء بعض أساتذته:
يقول بعد البسملة والتحميد: كنتُ من شُبَّ إلى دُبّ[٨٥]، مغرىً بطلب العلم ومجالسة أهله والتشبه بهم حسب الإمكان، ومساعدة الزَّمَان؛ وذلك من فضل الله عَليّ ولطفه بي أنْ حبَّبه إليَّ، فبذلتُ الوسع - والله الموفِّق- في تحصيل ما وُفِّقْتُ له من أنواعه وأصنافه، حتى صار لي قوة الاطِّلاع على خفاياه، وإدراك خباياه؛ وحلّ ما لم ينحلّ إلى هذا الزَّمَان، بل من لدُن آدم علیه السلام إلى الآن؛ ولم آلُ جهداً في إعمال الطلَب، وابتغاء الأدب، إلى أن تشبثتُ مِن كلٍّ بطرف، وتشبَّهت فيه بأضرابي، ولا أقول تميّزتُ عن أترابي ، ثُمَّ يتكلم على صناعة الطب ويشرح مرتبتها المتقدمة في الصناعات:
وحيث كانت مرتبة هذه الصناعة بين الصناعات ما ذَكَرْنا، وكنتُ من أهل بيتٍ مشهورين بهذه الصناعة، وإنْ كان لهم أشرف من هذه البضاعة، لكونهم موفقين في العلاج، وإصلاح المزاج، بأنفاسٍ عيسوية، وأيد موسوية؛ شغفتُ في ريعان الشباب وحداثة السن بتحصيلها، والإحاطة بمجملها وتفصيلها. فاكتحلتُ السهاد، وتجنبتُ الرقاد، إلى أن حفظت المختصـرات المشهورة وتيقنتها، وشهدتُ المعالجات المتداولة وتحققتها، ومارست كلّ ما يتعلق بالطب والكَحْل، من أعمال اليد والسل، والتشمير والتقليب ولقط الطفرة والسبل، إلى غير ذلك إلَّا القَدْح فإنّه لا يحسن منّا، كلَّ ذلك عند والدي الإمام الهمام ضياء الدين مسعود بن المصلح الكازَرُونيّ، وكان بإجماعِ أقرانه - تغمَّده الله بغفرانه، وأسكنه أعلى غرف جنانه- بقراطَ زمانه، وجالينوس أوانه.
[٨٥] المثل: أعييتني مِن شُبَّ إلى دُبَّ: أي من لدن كنت شابَّاً إلى أن دببت على العصا (انظر: الميداني، مجمع الأمثال، ٢/٣٢٥).