ابتداء دولة المغول وخروج جنكيز خان - الشّيرازيّ الشّافعيّ، محمود - الصفحة ١٧ - مقدمة المحقِّق
ماديَّاً، لم يكن محتاجاً لأحد، كان مترَفاً في حياته وكان دخله السنويّ ممَّا قرَّره له ملوك التتار والأمراء وغيرهم يقارب الثمانين ألف درهم [٤١]. وقيل كان حليماً سمحاً لا يدَّخر شيئاً، بل ينفق ما معه على تلامذته ويسعى لهم، وصار له في العام ثلاثون ألف درهم، وقصده صفي الدين عبد المؤمن [الأُرْمَوِيّ] المطرِب فوصله بألفي درهم [٤٢].
ويبدو أنَّ هذه الحال لم تدم طويلاً، إذْ نجده يقول في مقدمة كتابه شرح حكمة الإشراق، الَّذي انتهى منه في شهر رجب سنة ٦٩٤هـ: إنّه أراد منذ زمن أن يؤلّفه لكن أعاقه اعتراضٌ في أحوال الزَّمَان، من اختلال الأمن والأمان...، فقرَّر اعتزالَ الناس حيث قال: حتى ضربتُ عن أبناء الزَّمَان صفحاً، وطويتُ عنهم كشحاً، بل صرَّح أيضاً بضيق ذات يده مما ألجأه إلى العُزلة فقال: أَلجأَني الإقلالُ بعد الإكثار، والإعسارُ بعد اليسار، وخلوُّ الديار عمَّن يعرف قدر الفضيلة وينعش عِثار الأحرار، إلى أن استترتُ بالخمول والانكسار، وانزويتُ في بعض نواحي هذه الديار؛ متوفِّراً على فرض أؤدِّيه، وتفريط في جنب الله أسعى إلى تلافيه، لا على درسٍ أُلقيه، أو تأليفٍ أتصرَّف فيه .
وينبِّه على أنَّ شرح المشكلات،
وتقرير المعضلات، واستخراج العلوم والصناعات، وثبت ما يتحقق من المباحثات؛ إنّما
يحتاج إلى مزيدِ تجريدٍ للعقل، وتمييزٍ من الذهن، وتصفيةٍ للفكر، وتدقيقٍ للنظر،
وانقطاعٍ عن الشوائب الحِسِّية، وانفصال عن
الوساوس العاديَّة.
[٤١] البِرْزَالِيّ، المقتفي، ٣/٤٨٨.
[٤٢] الصَّفَديّ، أعيان الـعصر، ٥/٤١١؛ الذَّهَبيّ، ذيل تاريخ الإسلام، ١١٤؛ ابن حجر العسقلانيّ، الدرر الكامنة، ٤/٣٤٠. والأُرموي هو الموسيقار عبد المؤمن بن يوسف بن فاخر، وكان من الفقهاء الشوافع في المستنصـرية، ومن كبار الخطَّاطين والمغنِّين في خلافة الـمستنصر والمستعصم (معروف ناجي، تأريخ علماء المستنصرية، ١/٩٤).