مورد الأنام في شرح شرائع الإسلام - كاشف الغطاء، الشيخ مهدي - الصفحة ٢٠٨
و قيل: بوضعها للأعم بوضع و للقطة بوضع آخر فتكون على هذا التقدير من المشترك اللفظي، و لعله هو الأنسب بتصريحاتهم و عليه تجتمع كلماتهم. و على كل تقدير فكان عليه أن يقيد المال بالصامت لئلا ينتقض طرده بالحيوان الضائع حتى العبد فإنه من المال المطلق و اعتبار القيد الثاني مما لا بد منه ليخرج ما كان كذلك، و لكنه في يد ملتقط سابق فإنه و إن صدق عليه مال ضائع و لكنه سبقت عليه يد ملتقط سابق فكان بالقيد الأخير إخراجه كذا قيل.
و قد يقال: إن سبق اليد عليه من الأمور التي تمنع من جواز التقاطه للثاني لا إنه بهذا القيد يكون خارجا عن موضوع اللقطة فهذا القيد في الحقيقة راجع الى حكم اللقطة و ليست اللقطة إلا المال الضائع لا غير و من ذلك تعرف وجه الحاجة الى اعتبار قيد الضياع إذ من دونه يدخل في مجهول المالك الذي لا يد عليه، و لكنه غير ضائع من مالكه فيكون الفرق بين موضوعي مجهول المالك و اللقطة هو اعتبار صدق اسم الضياع من المالك في الثاني دون الأول و لعل الأصل عدم ترتب أحكام اللقطة مع عدم تحقق اسم الضياع و حينئذ فما يؤخذ من السارق و الغاصب خارج عن ذلك لعدم صدق اسم الضياع من المالك عليه و الظاهر كفاية شاهد الحال فيها و هو حيث يكون مفيدا للعم فلا إشكال فيه و مع إفادته للظن يوقف على حجيته. و على كل حال فمتى لم يكن بهذه الحال لا يحكم بكونه لقطة، و القول بأن الأصل في كل مال لا يد عليه و إن لم يكن وصف الضائع متحقق فيه و لو بشاهد الحال إنه لقطة دعوى لا شاهد عليها بل الظاهر من الأدلة خلافه لأن الموجود فيها هو عنوان اللقطة و هي اللغة و العرف عبارة عما اشتمل على وصف الضياع لا مطلق المال الذي لا يد عليه و إن لم يتحقق وصف الضياع فيه بل لعل ما كان من المال بهذه الصفة لا يجوز أخذه مع مظنة عدم تلفه لحرمة الاستيلاء على مال غيره بغير إذنه ضرورة عدم اندراجه في العنوان المأذون فيه شرعا فالقابض عليه ضامن له.
و كذا لا يدخل في عنوانها ما وقع في اليد من المال لشخص مثلا وضاع مالكه عليه حتى صار هو لا يعرفه كما يظهر ذلك من خبر العبدي عن يونس سالت عبدا صالحا:
(فقلت: جعلت فداك كنا مرافقين لقوم بمكة و ارتحلنا عنهم و حملنا بعض متاعهم بغير علم و قد ذهب القوم و لا نعرفهم و لا نعرف أوطانهم و قد بقي المتاع عندنا فما نصنع به؟ قال: تحملونه حتى تلحقونهم بالكوفة. قال يونس: فقلت له: لست أعرفهم و لا أدري كيف نسأل عنهم؟ قال: فقال: بعه و أعط ثمنه أصحابك. قال: فقال: جعلت فداك أهل الولاية قال: نعم)
و مثله كثير من النصوص المشتملة على بيان حكم ما هو غير داخل تحت اسم اللقطة من قبيل المفقود صاحبه و المجهول الذي هو ملحق به مما هو متعذر وصوله الى مالكه فإن ذلك كله لا يوجب وصف المال بالضياع على وجه يقال إنه مال ضائع فيكون مندرجا في موضوع اللقطة، و قد عنون في الوافي لذلك بابا مستقلا جعله متصلا بباب اللقطة سماه باب