مورد الأنام في شرح شرائع الإسلام - كاشف الغطاء، الشيخ مهدي - الصفحة ١٤٩ - المقصد الثاني في الملتقط
لم يجز له الإنفاق بقصد الرجوع قبل اليأس من ذلك كما جزم به في جامع المقاصد. هذا إذا أريد بالإنفاق على الوجه المزبور لكنه مناف لظاهر كلماتهم خصوصا ظاهر المتن و نحوه، و إن أريد بالإنفاق البذل التبرعي كما هو ظاهر التردد المذكور، و دعوى ضعفه بمكان من الضعف بعد عدم قيام دليل يقتضي وجوب الإنفاق على وجه لا يرجع به في غير الأرحام الذين عرفت عدم الرجوع عليهم في كتاب النكاح.
نعم ينبغي تقييد الرجوع في إنفاق الملتقط بما قد كان أنفقه بما إذا لم يتمكن من التبرع و إلا وجب لأنه من المسلمين و أشد من ذلك غموضا ما ذكر من الاستعانة بالمسلمين فإذا أيس أنفق و رجع بما أنفق على الذي أنفق عليه إذ لا يعلم الإرادة من ذلك هل للمسلمين أجمع أو المراد بذلك الأغلب أو خصوص القرية أو البلد حيث يكون اللقيط فيها أو مطلقا؟ و كيف كان فما ذكره المصنف و غيره من وجوب الاستعانة بالسلطان و بعده بالمسلمين لا يتم إلا على دعوى وجوب التبرع عليهم، و هي في معرض المنع لعدم دليل عليها و وجوب حفظ النفس أعم من ذلك كما إن وجوب السعي في تحصيل المتبرع كي يتجه ما ذكروه من الرجوع إلى المسلمين معللين ذلك باحتمال وجود متبرع هناك.
و بالجملة فكلمات الأصحاب في تأدية هذا المعنى لا تخلو من تشوش كما أن عبارة المتن غير ظاهرة في وجوب الرفع إلى السلطان. نعم حكى الإجماع على إنه لا رجوع للملتقط بما أنفقه و إن نوى في ذلك الرجوع إذا كان المتبرع من سلطان أو غيره موجودا لا إنه يجب على الملتقط تحصيله إلى أن ييأس، كما إنه لا يجب على الإمام و لا على المسلمين الإنفاق على وجه التبرع و من ادعاه مطالب بدليله بل لعل ظاهر بعض الأخبار جواز الإنفاق و الرجوع به من دون مراجعة السلطان أو المسلمين، و لعله بعد عدم قيام دليل على وجوب الإنفاق التبرعي على أحد هو الأوجه.
و كيف كان فقد فرع المصنف على ما تقدم من كلامه قوله: (فإن تعذر الأمران، أنفق عليه الملتقط، و يرجع بما أنفق إذا أيسر) اللقيط (إذا نوى الرجوع.) بما أنفقه و ذلك في صورة تعذر الحاكم و لو بتعذر مراجعته أو المسلمين كذلك كما لو كان في أرض خالية عن الجميع فإنه يلزمه الإنفاق عليه بنفسه أو من يكون من قبله حفظا لنفسه من التلف و دفعا لضرورته الواجبة و حيث يكون كذلك فإن نوى الرجوع وقت إيساره كان له ذلك، بل حتى لو لم ينو التبرع فيما أنفق عليه كما هو مقتضى إطلاق النصوص السابقة بل لعله ظاهر المشهور أو الجميع كما هو صريحهم في نية الرجوع بها عليه بعد يساره.
و عن السرائر: إنه لا يرجع بها عليه مطلقا حتى مع نية الرجوع بها عليه للأصل و لأنه قد أدى ما وجب عليه شرعا. و فيه: إن الأصل مقطوع بما سمعت من الأخبار و كونه واجبا غير مناف لرجوعه به. نعم لو نوى التبرع بما أنفقه عليه لم يكن له الرجوع في ذلك