فلسفتنا - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٠١ - التجربة والشيء في ذاته
لا تتحوّل بالإحساس إلى حركة نفسية ، لأنّ التحوّل يعني تبدّل الحركة من شكل إلى شكل ، ومن الواضح أنّ الحركة الطبيعية أو الفيزيائية للمادّة المحسوسة لا تتبدّل هكذا إلى حركة فيزيولوجية أو فكرية ؛ إذ إن معنى تبدّلها كذلك زوال الشكل الأوّل من الحركة ، وبالتالي زوال المادّة التي تعبّر عن وجودها في ذلك الشكل الخاصّ .
فليست الحركة الموضوعية للشيء المحسوس كحركة المطرقة ، وليس الإحساس تحويلاً لتلك الحركة الموضوعية ـ التي هي كيفية وجود المادّة ـ إلى حركة نفسية ، كما تتحوّل حركة المطرقة إلى حرارة ، وإلاّ لكان الإحساس عملية تبديل للمادّة إلى فكرة كما تتبدّل الحركة الآلية إلى حرارة .
وعلى هذا فليست مسألة الإدراك مسألة تحوّل الحركة الفيزيائية إلى حركة نفسية ، الذي هو بعينه عبارة عن تحوّل الواقع الموضوعي إلى فكرة ، بل يوجد للشيء المحسوس والمدرَك واقع موضوعي ، وللإحساس وجود آخر في نفوسنا ، ما دام هناك وجودان : وجود ذاتي للإحساس أو الفكر ، ووجود موضوعي للشيء المحسوس ، فلا نستطيع أن نفهم الصلة بين هذين الوجودين إلاّ كما نفهم الصلة بين سبب ونتيجة ، وكما نفهم العلاقة بين واقع وصورة منعكسة عنه .
ونواجه عند هذا بكلّ وضوح المسألة الأساسية التي نحن بصددها ، وهي : أنّ الفكرة ما دامت نتيجة للشيء الموضوعي ، وما دامت العلاقة المفهومة بينهما هي علاقة السببية ، فلماذا يجب أن نفترض أنّ هذه النتيجة وسببها يختلفان عن سائر النتائج وأسبابها ، ويمتازان عليها بخاصّة ، وهي : أنّ النتيجة تصوِّر لها سببها وتعكسه انعكاساً تامّاً ؟! فهناك كثير من الوظائف الفيزيولوجية هي نتائج أسباب خارجية معيّنة ، ولم نجد في واحدة من النتائج القدرة على تصوير سببها ، وإنّما تدلّ دلالة غامضة